اليوم تلتقي القيادات اللبنانية المختلفة حول طاولة مستديرة، في مبنى البرلمان ببيروت، للتحاور حول القضايا الخلافية الكبيرة التي استبدت بهذا البلد.

وفرضت عليه الشلل المفتوح على الأخطر، منذ أكثر من سنة حسب صاحب المبادرة، رئيس مجلس النواب اللبناني، كل المواضيع مطروحة للنقاش؛ المتوقع استمراره بين 7 إلى 10 أيام. وحسب المشاركين كافة؛ الجميع أتى إلى الطاولة لأنه طالب حوار.

طبعا، المشهد اللبناني معقد. تراكماته وتداخلاته وتقاطعاته «البرانية والجوانية» ومشكلاته العويصة تجعل من مقاربته مسألة بالغة الصعوبة. حتى على اللاعبين الأساسيين.

لكن التجارب السابقة المريرة التي مرَّ بها هذا البلد الشقيق؛ وأوضاعه الراهنة المعروفة؛ فضلا عن التحديات والاستحقاقات القاسية التي تنتظره، ناهيك عن الأجواء المتفجرة في المنطقة، المؤثرة والمتأثرة بأموره.

كلها تحتّم على المجتمعين الالتزام، أمام الذات والوطن، مع بداية هذا الماراثون؛ بعدم السماح للفشل ـ حتى لا نقول الانهيار ـ بالتسلل إلى غرفة الحوار واعتباره من المحرمات. لاسيما وأن الكل أراد الحوار ودعا إليه. كما أن الكل يدرك تماما أن البديل لا يحتمله البلد.

الفجوة بين الأطراف واسعة بما فيه الكفاية. ولا تحتاج إلى المزيد. في وضعها الحالي، لاتزال قابلة للردم. كل ما تحتاجه صفاء النوايا والقدرة على اتخاذ القرار.

وكلا الشرطين ميسور توفرهما. بل ينبغي أن يكون الأمر كذلك فاللبنانيون يعرفون وبالملموس ان التوافق هو خيارهم الوحيد، وان القرار بالنهاية هو قرارهم.

فقد جربوا الخيارات الأخرى، الداخلية والخارجية وحصدوا ما ندموا عليه. والظروف تقدم لهم اليوم فرصة أخرى. بالأحرى تقدم لهم اختبارا آخر. وكثير من المراقبين يرى أنها قد تكون الفرصة الأخيرة.

الماراثون قد لا يضطلع بالحلول الناجزة للأمور الخلافية كافة. لكن على الأقل مطلوب منه شق الطريق نحوها. أو وضع الاساسات للبناء عليها. وهم يعرفون من الامتحانات السابقة الكثيرة ان فتح هذه الطريق يتطلب معدات خاصة أهمها التحرك بالمواقف إلى الأمام؛ والاقلاع بالتالي عن التمترس وراء الخنادق غير القابلة للانفتاح؛ إذا لم يكن للتفكيك.

كل الحوارات اللبنانية السابقة التي حصلت في محطات مفصلية حساسة، انتهت إلى الانسداد ـ ما عدا الطائف ـ والانهيار، بسبب التشبث بالمواقف أو غياب الأرضية الصلبة للاتفاقات،، التي لم تصمد أمام أول اختبار.

وربما كان أحد الدروس من تاريخ تلك الحوارات هو أن غياب العون العربي الفاعل عن مجرياتها، من موقع الاطفائي، أدى بها إلى الطريق المسدودة، وعندما حضر مثل هذا الدور المؤازر والراعي ـ كما في الطائف ـ انتهت الأمور إلى تسوية. ولو تسوية مؤقتة ورخوة.

الجسم اللبناني مثقل بالقيود والهموم إلى حد أنه بالكاد قادر على الحركة. النمو الاقتصادي فيه للعام الماضي لم يغادر الصفر. بات منهكا من الإحباط والانتظار.

ومن هنا تكتسب جولة الحوار هذه التي طال انتظارها، أهميتها وخطورتها في آن. إن فتحت باباً للضوء، تحرك هذا الجسم وتنفس بعض الصعداء. لكن لو بقي الباب مقفلا فإن الإحباط قد يتحول إلى يأس والمشكلة إلى كارثة. وهذا بالتأكيد ما لا يريده اللبنانيون ولا العرب.