الإساءة إلى رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم من خلال رسوم علنية كانت في حد ذاتها سبباً قوياً لتهييج الشارع في العالم الإسلامي.
هذا هو السبب الظاهري للفورة الشعبية، ولكن للقضية سبباً باطنياً جذرياً، هكذا يقول الكاتب الصحافي الأميركي المعروف توماس فريدمان، وهو قول ليس بلا دليل علمي مستمد من واقع العالم الإسلامي.
ابتداءً يقترح عليك فريدمان أنه لكي تهتدي إلى الاقتراب الأيديولوجي لقضية الرسوم المسيئة وتداعياتها فإنك لا تحتاج إلى الرجوع إلى كتاب «صراع الحضارات» للفيلسوف الأميركي المعاصر صامويل هنتنجتون.
وإنما عليك مراجعة كارل ماركس، فالأمر لا يقتصر على إساءة غربية للإسلام، فهو يتعلق أيضاً بضياع الملايين من الشباب المسلم بسبب ظاهرة البطالة وما تنطوي عليه من إحباط وشعور بالهوان.
بفضل ثورة الاتصالات الحديثة وما أنتجت من بث تلفزيوني مباشر بالأقمار الصناعية وفضائيات عالمية تعمل على مدار الأربع والعشرين ساعة يرى الشباب في بلدان العالم الإسلامي كيف يعيش الناس في أماكن أخرى من العالم خاصة البلدان الصناعية المتقدمة.
وفي هذا الصدد يقول فريدمان إننا أصبحنا في عصر يستطيع فيه أي فرد أن يرى موقعه من قافلة التقدم في العالم، وبالتالي تكتشف ما إذا كنت مواكباً للقافلة أو متخلفاً عنها.
وبعد أن يستبد بك شعور حقيقي بأنك متخلف عن القافلة بمدى طويل فإن أية إساءة من الخارج ستكون كفيلة بتفجير مشاعرك الدفينة. بكلمة واحدة يقول الكاتب الأميركي إن الكثيرين من الشباب العرب والمسلمين يعيشون في دول تحرمهم من أية فرصة لتحقيق الذات.
وفقاً لإحصائيات مكتب العمل الدولي، فإن نسبة البطالة بين الشباب في العالم العربي هي الأعلى في العالم بأسره، علماً بأن 60 في المئة من شعوب العالم العربي تقل أعمارهم عن 25 عاماً، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة فإن نحو نصف مليون من الشباب ينضمون سنوياً إلى صفوف البطالة.
والعلة لا تقتصر على توقف النمو الاقتصادي، فهناك أيضاً انحطاط النظام التعليمي، فالجامعات تخرج شبه جهلاء بدرجات علمية لا وزن لها بمعايير التعليم العالمي الدولية.
تراكمات التذمر بين شباب العالم الإسلامي إذن لا تتوقف عن التصاعد وبالتالي تنشأ حالة شعورية عامة قابلة للتفجر في أي وقت، فالمظاهرات العارمة التي انتظمت بلدان العالم الإسلامي مؤخراً وتواصلت لأيام بل أسابيع كانت موجهة ضد الطبقة الحاكمة بقدر ما كانت تعبيراً استنكارياً ضد الإساءة الإعلامية الأوروبية للإسلام.
ومما يضاعف من ردود الفعل الغاضبة ان حالة الإحباط العام بين الشباب يترافق معها القمع الأمني المنظم الذي تمارسه الأنظمة الحاكمة، وتتصاعد نغمة التذمر عندما يدرك الشباب أن الأجهزة الأمنية هي التي تحظى بأولوية الإنفاق لدى الحكومات على حساب التمويل في القطاعات التنموية وقطاعات الخدمات الضرورية كالتعليم والعلاج.
إن الغضب الجماهيري في العالم الإسلامي كرد فعل على مسألة الرسوم الغربية المسيئة سيتلاشى دون شك، لكن الأنظمة الحاكمة تخطئ خطأً جسيماً إذا ظنت أن هذه هي نهاية القصة.