لا يوجد عاقل على أرض لبنان، باستثناء تجار الحروب ومرتزقتها، يريد انجراف اللحظة الراهنة إلى حالة تشبه تلك التي عاشتها البلاد في المساحة الزمنية المتراوحة بين 1975 و1989، حيث «المدن الملونة» بالدماء الحمراء.
واللهب الأصفر والأزرق والأحمر، والدخان الأسود، وحيث كان «القناصة» هم ملوك الشوارع المتوجين بالوحشية، وكانت الشوارع مستباحة لفرقاء ليسوا من أهل البلد، اتخذوا من أرضه ساحة لتصفية الحسابات، وجني المكاسب السياسية والأمنية على أكتاف اللبنانيين المتعبين. ولا أحد بإمكانه مهما بلغت حجته السياسية.
ومهما علت شعاراته الداعية إلى «التحرير» أو «الاستقلال الثاني» أن يقنع اللبنانيين ولو لبرهة من الزمن بأن انفجار الوضع الحالي هو البوابة العالية والوسيعة التي ستنهي إلى الأبد تواجد بقايا نفوذ الاستخبارات السورية، وستضع عند أعتابها الرئاسة اللبنانية الحالية أحمالها وترحل.
فإعادة لبنان إلى نقطة الصفر أصعب من أن يتحمله أحد، وأقسى من أن يطلبه أحد، ولذا ليس بوسع المعارضة اللبنانية أن تتجاوز الخط الأحمر المرسوم في الذاكرة الوطنية اللبنانية عن مرارة الحرب الأهلية وقسوتها.
إن السنوات العجاف التي عاشها لبنان مقتتلا تتجاوز في معناها ومبناها القاعدة السياسية العربية الشهيرة التي رسخها بعض الفقهاء في محاولة منهم لرص صفوف الناس بعيدا عن خطر الفتن والتشرذم، وتقول:
«ستون عاما من حاكم جائر خير من سنة واحدة بلا حاكم». هذه السنوات تؤكد في الوقت نفسه أنه لا حرية في ظل غياب القانون والانضباط، وخراب الذمم والضمائر، واستباحة الشرف والأعراض، وإهدار الأمان الشخصي، وتحول رموز النخب السياسية إلى أمراء حرب، خاصة أن تلك النخب تبدو، في أحسن أحوالها.
وحتى خلال أيام السلم، كالمسرح الشكسبيري، الذي يجمع بين فرقاء يتآمرون في الخفاء ويتصارعون في العلن، حول المطامع والمصالح والمناصب. وتتشرب هذه النخبة دوما ملامح المجتمع اللبناني الفسيفسائية المعقدة، فتأتي على شاكلتها متداخلة ومتطاحنة، تتقارب وتتباعد، تتجاذب وتتنافر، في حال من الغليان الذي لا يعرف للابتراد سبيلا.
ولا إلى الراحة طريقا، بل إنها وخلال مسيرتها المفعمة بالضجيج قد تتبدل ولاءاتها، وتتغير مواقفها، حتى لو كان الثمن اغتيال لبنان نفسه، وقض مضاجع أهله المحبين للحياة، الساعين وراء التحقق بكل ما في عقولهم من إدراك، وما في أفئدتهم من مشاعر، وفي أجسادهم من طاقة.
وما تفعله هذه النخب، الموزعة بين الموالاة والمعارضة، ليس خافيا عن أهل لبنان، فالناس هناك يفهمون جيدا ألاعيب الساسة ومصالحهم، فقد ألفوها عن كثب، وتابعوا رحلاتها المتلونة إلى حد التناقض بين البداية والنهاية، ولذا لن يستطيع أحد جرهم بسهولة إلى الاقتتال حتى لو تحت لافتة نبيلة تسمى «استقلال لبنان» .
أو بمعنى أدق «استعادة استقلاله»، فلا يوجد استقلال مع فوضى أو وصاية أجنبية، ولا يتحقق تقدم أو تنمية ونهوض في ظل تناحر اجتماعي وسياسي، ولا يمكن الحديث عن انتماء مع حدود مفتوحة أمام كل من هب ودب ليتخذ من هذا الوطن «الافتراضي» مسرحا لعمل ضد هذا وذاك، نتيجته تصب في مساحات بعيدة تماما عن تلك التي تسكنها المصلحة الوطنية الخالصة الطاهرة للبنان.
إن طريق النور الذي يمكن أن يمر فيه اللبنانيون بسلام وأمان من ضيق الحالي إلى براح الآتي، ليعبروا تلك الأزمة الخانقة إلى الاستقرار، هو «النضال السلمي» إن أجمع الشعب اللبناني.
أو اتفق أغلبه، على حتمية مفارقة مرحلة السطوة السورية، وجزموا بأن استمرار الشكل القديم من التعامل بين سورية ولبنان يضر ولا ينفع، وأن الأفضل للبلدين هو إعادة صياغة العلاقة بما يتواءم مع مقتضيات اللحظة الراهنة، والمستقبل المنظور.
أما الدرب الغارق في ظلام دامس يبتلع الجميع هو أن يتحول لبنان إلى خنجر في خاصرة سورية، أو بوابة لعبور أتباع المخطط الدولي الذي يستهدف دمشق، لأسباب تتعدى لبنان تماما إلى استراتيجية دولة كبرى قررت أن تنفذها في أقرب فرصة ممكنة، بغض النظر عن عدم مشروعية فعلتها هذه.
كما أن الحل ليس أبدا الهرولة حيال «الفراغ السياسي» الذي يتسع كل يوم مع تزايد درجة الخصومة بين الموالاة والمعارضة، أو تحويل الاختلاف بينهما إلى شقاق وتنابذ وتناحر، قد يبدأ بالكلام وينزلق إلى الرصاص.
أو إلى استمرار التفجيرات المروعة الممقوتة التي هزت بيروت مرات عدة منذ اغتيال الحريري، لم تمثل، حتى الآن، سوى إنذار لما قد ينتهي إليه التجاذب السياسي الراهن إن وصلت «الحلول السياسية» للمشكلة اللبنانية إلى طريق مسدود.
وإذا كان ساسة لبنان، على اختلاف مواقفهم يرفضون إشعال نيران الحرب الأهلية، فإن الانجراف إلى مثل هذا الجحيم قد لا يكون من صنع أيديهم، بل إنهم قد يصلون، إن استمروا على شقاقهم هذا، إلى اللحظة التي لا يكون بوسعهم جميعا أن يقرروا بإرادتهم الحرة تجنب العنف أو وقفه إن اندلع.
لكنهم في هذه الحالة سيتحملون تماما وزر تهيئة الأجواء، أو حرث الأرض، أمام طرف خفي يأتي بكل ثقة واقتدار ليجر القوى السياسية اللبنانية إلى صدام مسلح، يفتح على اللبنانيين جميعا أبواب جهنم.. و«معظم الحرائق من مستصغر الشرر».
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة