تشكلت الوزارة الجديدة، ومعها تجدد الأمل في تشكيل جديد للمجلس الوطني الاتحادي تشكيلاً يعكس مختلف القوى الوطنية ويعبر عن مصالح أبناء الإمارات بكل شرائحه وطوائفه، تشكيل يختار فيه شعب الاتحاد من يمثلهم ويعبر عن مصالحهم ويحمل مشاكلهم.
يتجدد الأمل في أن يأتي المجلس الوطني الاتحادي معبراً عن المشاركة بين الحكام والمواطنين، واذا حدث هذا فإنه سوف يكون بلا شك خطوة كبرى على طريق تعزيز النظام، ولا شك ان هذا النظام يعي هذه النقطة جيداً، والدليل على هذا قرار صاحب السمو رئيس الدولة الأخير بانتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي.
لكن هل هذا القرار كاف؟ أم لابد من قرارات أخرى تتعلق بأسلوب تنفيذ القرار؟
في اعتقادنا أنه لابد من قرارات أخرى من أجل انجاح القرار الأول، لعل أهمها صدور قانون أو لائحة تنفيذية تحدد شكل الانتخابات ومراحلها وطريقة الإشراف عليها، وحجم وطبيعة مشاركة المرأة، ثم وضع هذا موضع التنفيذ.
ولابد ان يكون الإشراف على الانتخابات من جهات محايدة، ولابد من ان تتميز بالشفافية التامة والنزاهة المطلقة، ويرى بعض الخبراء ان العملية الانتخابية سوف تتم في نطاق الإطار القانوني القائم حالياً.
ومعنى هذا ان القرار لا يتطلب أي تعديل قانوني، وأن القانون الإماراتي لا يحدد جنس أعضاء المجلس الوطني، وبالتالي فإن النساء سيتمكن من المشاركة في هذه العملية على كل مستوياتها ودون وجود استثناء.
ربما يصح هذا الحديث من زاوية ما، لكن أليس من الضروري تعديل قوانين وضعت من أجل ظروف لم تعد موجودة الآن بعد مرور أكثر من 35 سنة؟
إن الممارسة الديمقراطية تتطلب قوانين ديمقراطية واضحة البنود والمواد في طبيعة الممارسة السياسية، حتى لا يتم ترك الأمور للاجتهاد الشخصي في تفسير القوانين السابقة، وحتى لا تتسع الخلافات في التفسير.
لماذا لا يكون هناك قانون جديد يستوعب تجارب الدول الأخرى المتطورة من هذه الناحية، ويزيد عليها ما يتلاءم مع طبيعة وظروف الدولة الاتحادية؟
فنحن لسنا منعزلين في جزيرة نائية من العالم لنضع قوانيننا الخاصة بعيداً عن العالم والمجتمع الدولي، وإننا نعيش في عالم صغير، قرية دولية واحدة، ومن ثم علينا ان نستفيد من التجارب الأخرى، خاصة التجارب الناضجة والمتطورة، لا التجارب المنقوصة.
وليس معنى هذا ان نقلد أحداً فهناك الكثير من الدول التي نتفوق عليها، لكن علينا ان نستفيد من الدول الكبرى، أو الدول التي قطعت شوطاً حقيقياً في طريق الديمقراطية، لا تلك الدول التي لا تأخذ من الديمقراطية إلا قشورها. إن قطار الدول المتقدمة طويل، وعلينا ان نلحق به وهو يتحرك إلى الأمام، وعلينا ألا نتخلف عنه ونظل في ركاب المنتظرين!!
ومن المعروف أن لكل من الكويت والبحرين حالياً برلمان منتخب، بينما يوجد في سلطنة عمان مجلس شورى منتخب، أما قطر التي تبنت أول دستور في تاريخها منذ فترة قريبة، فتشهد أول انتخابات لبرلمانها «مجلس الشورى» عام 2007.
ويوجد مجلس معين في السعودية، لكن المملكة نظمت من شهور أول انتخابات بلدية جزئية بالاقتراع المباشر من دون مشاركة النساء فيها.
أما في الإمارات فلابد من ان يكون للمرأة دور لا يقل بأي حال من الأحوال عن دور الرجل، فعندنا كثير من المثقفات والمتعلمات في شتى المجالات، بل وعندنا الحاصلات على درجات عالمية متقدمة مثل الماجستير والدكتوراه.
ومن ثم باتت مشاركة المرأة في الحياة السياسية فرضاً واجباً، فالمرأة الإماراتية نصف المجتمع دون أدنى مبالغة، ولا يمكن تنحيتها بأي شكل من الأشكال وتحت أي تبرير، لابد ان يكون للمرأة الإماراتية حق التصويت، وأن يكون لديها حق الترشيح والتمثيل النيابي في مجلسنا الوطني الاتحادي الجديد.
ولاشك ان القيادة السياسية على وعي كامل بهذا، ولا أدل على ذلك من دخول سيدتين فاضلتين في التشكيل الوزاري الجديد، مما يعني زيادة التمثيل النسائي في الحكومة، وحصول المرأة الإماراتية على مكانة تليق بدورها في بناء وتطوير الأمة الاتحادية على أمل اتساع حجم مشاركة المرأة في الوزارات المقبلة بإذن الله تعالى.
ومن الأماني الشخصية التي يتمناها كاتب هذه السطور ان يدخل الشباب في المجلس الوطني الاتحادي، أسوة بما حدث في التشكيل الوزاري الجديد من دخول أكثر من وزير شاب، حيث دخل الحكومة ثمانية وزراء جدد بعضهم من الشباب، مما يدل على اتاحة الفرصة أمام الفكر الجديد والدماء الجديدة.
فلابد ان تتسع مشاركة الشباب، ولابد من إعطاء الفرصة لهم كاملة في عضوية المجلس الوطني الاتحادي، فقطاع الشباب في دولتنا الاتحادية قطاع عريض ولابد ان يوجد في المجلس من يعبر عن مصالحه.
لكن من جهة أخرى على الشباب ان يضطلع بدوره في تنمية المجتمع وصنع مصيره وان يكف عن السلبية واللامبالاة ولذا على من يرى من الشباب في نفسه القدرة على المشاركة السياسية ان يرشح نفسه في الانتخابات دون أي تردد أو خوف.
فاتحادنا بحاجة كبرى الى جهود كل شاب إماراتي من أبوظبي الى الفجيرة، بلدنا يا شباب بحاجة قصوى الى دماء جديدة تؤدي دوراً جديداً وبروح جديدة تعبر عن طبيعة العصر وظروف المرحلة الراهنة.
واذا كنا قد لمسنا وجود تغيير جوهري في بنية التشكيل الوزاري الأخير، بل تغيير جوهري في المجلس الوطني الاتحادي المقبل إن شاء الله تعالى، ولاشك ان تجربة الانتخابات سوف تتمخض عن عناصر جديدة ومتنوعة، فآلية الانتخابات تفرز عناصر مختلفة عن العناصر التي تفرزها آلية التعيين.
إن مبادرة التحديث السياسي التي قام بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ـ حفظه الله ـ لابد ان تستمر بالزخم نفسه، ولن يحدث هذا بدون تطوير وتعديل وإعادة مراجعة ومعالجة التشريعات السياسية، حتى تواكب روح الحداثة والمشاركة السياسية الفعالة والأداء البرلماني في ديمقراطيات العالم المتقدمة.
ولن تأتي الديمقراطية في يوم وليلة، بل لن تأتي إلا بمواصلة المبادرات السياسية، ومشاركة مؤسساتنا السياسية والدينية والثقافية والإعلامية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني في صنعها.
فلا مفر من ان تتحمل تلك المؤسسات مسؤولياتها غرس قيم العمل الديمقراطي داخل الدولة وبين طبقات وشرائح الشعب الاتحادي، في إطار مزيد من حرية الإعلام والصحافة على وجه الخصوص لتكون هذه الخطوة عنواناً لدخول الإعلام بالدولة مرحلة جديدة من الممارسة الديمقراطية القائمة على الحرية الملتزمة والمسؤولة، فالحرية والديمقراطية ليستا انفلاتاً.
منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات