عشية الانتخابات الفلسطينية هدّد الاتحاد الأوروبي، شأنه شأن أميركا وإسرائيل، بوقف الدعم للسلطة الفلسطينية، لو فازت «حماس»، وجاءت إلى الحكومة تتذرع بالمزاعم ذاتها المعروفة لتبرير موقفه.

وكان قد قرر في نهاية 2005 تجميد دفع حصته لصندوق البنك الدولي، الذي يتولى تقديم مساعدة للسلطة، مخصصة لدفع رواتب موظفيها. أمس وبعد حوالي شهر على الانتخابات الفلسطينية، وفوز حماس، قرر الاتحاد الأوروبي التراجع عن موقفه، وأفرج عن مساعدة بمبلغ 120 مليون يورو. موقف عاقل وعودة حميدة عن سياسة خاطئة.

الاتحاد الأوروبي أكبر المساهمين في دعم السلطة الفلسطينية، بالمساعدات مواقفه كانت دوماً متميزة. على الأقل ابتعدت إلى حد بعيد عن التشنج والانحياز الأعمى والجائر، ضد الفلسطينيين.

انطوى ذلك على قدر من التفهُّم، الذي لقي ترجمته بتعبيرات مختلفة، على مستوى دوله أو من خلال «الرباعية»، سواء تجاه جدار الفصل العنصري أو التوسع الاستيطاني «أو خارطة الطريق» ومستلزماتها.

وكانت مساعداته الفلسطينية سخية، نسبياً. طبعاً، لم يقم بأي من ذلك على حساب إسرائيل. فالأولوية عنده لها. لكنه حرص دوماً على الاحتفاظ بمساحة بحث من خلالها بعض «التعويض»، إن لم نقل التوازن في سياسته تجاه القضية الفلسطينية.

لذلك عندما شهر سيف المقاطعة قبل الانتخابات، إذا جاءت النتائج بغير ما يرغب بدا وكأنه، كغيره، يحاول فرض مشيئته على الفلسطينيين وحملهم على تفصيل خياراتهم وفق مقاسات معينة. وبقطع النظر على النوايا، فإن موقفه ذاك لقي الاستهجان، لكونه نوعاً من التدخل السافر في الشأن الفلسطيني الداخلي. الأمر الذي يتنافى مع طروحاته وتعامله المألوف، مع مثل هذه الظروف.

لكن الاستدراك جاء سريعاً وجرى التصحيح. وأهمية قرار الاتحاد الأوروبي أول من أمس، بمنح المساعدة للسلطة الفلسطينية، تكمن في أمرين:

توقيتها ومدلولها السياسي: فالمعونة جاءت في لحظة باتت مالية السلطة قاب قوسين من الانكسار وإعلان الإفلاس، مع كل ما يستتبع ذلك من انهيارات، اجتماعية وإدارية وأمنية. وبذلك فهي جاءت كعملية إنقاذ، ليس ذلك فحسب بل إن الأوروبيين حرصوا على حث الآخرين لاستئناف دعمهم ومساعدتهم للسلطة.

الأهم من ذلك، كان ما حمله هذا القرار من تصحيح سياسي للموقف. صحيح أن القرار مالي في صيغته، لكنه في جوهره تعبير عن رفع للفيتو المبطَّن على نتائج الانتخابات الفلسطينية. فمهما كانت القنوات التي يزمع الاتحاد استخدامها لتقديم مساعدته،.

ومهما قال عن عدم نيته بتسليمها إلى حكومة ترأسها «حماس»، إلا أن الإسراع بها لتأمين دفع الرواتب للموظفين في السلطة ـ حوالي 120 ألفاً ـ ولتسديد فواتير الحاجيات الأساسية، مثل الكهرباء وغيرها.

كل ذلك هو بمثابة تخفيف الأعباء وإزاحة المتاعب المباشرة عن السلطة، وحكومتها، الراهنة والمقبلة. وفي ذلك مؤشر ملموس على الاستعداد للتعامل مع الوضع الجديد ودعوة لهذا الأخير لملاقاته في منتصف الطريق.

خاصة في ضوء الخطاب المعتدل الذي تعتمده حماس اليوم. إن إعادة الاتحاد الأوروبي النظر في موقفه يعكس أمرين: شجاعة واستدراكاً لوضع الأمور في نصابها والعودة إلى الموقع السويّ.