قبيل قرن ونصف القرن من ميلاد السيد المسيح تقريبا أعاد الفرس الذين أسقطوا مملكة بابل، اليهود الذين أسرهم الملك البابلي نبوخذ نصر سنة 605 ق.م من العراق إلى القدس معززين مكرمين تثمينا لدورهم الكبير في كسب المعركة ولما قدموه من معلومات تجسسية عن قوة وتحركات الجيش البابلي ومسؤوليه.

وبمجرد وصولهم إلى القدس عقد حاخاماتهم أول مؤتمر لهم لتدارس الفترة العصيبة المتمثلة بالأسر البابلي (أسبابها، إفرازاتها، استنتاجاتها)، وبعد ان استعرض الجميع ما حلّ بأغلبية القوم جراء بطش الملك البابلي بهم أقروا أهم قرارين في تاريخهم، وهذان القراران هما «التشتت» في الأرض ثم إشاعة أجواء لصالحهم أينما حلّوا سواء على المستوى السياسي أم الاقتصادي أم الأخلاقي وغيرها.

«التشتت» في الأرض يجعل احتمال إبادتهم بعيد المنال وحتى لا يكونوا في حالة تجمع مطلق كما هو شأنهم عند مواجهتهم الجيش البابلي فيكون ما يمكن أن يجعل وجودهم على الأرض في حال خطر بيّن وإبادتهم واردة، لذلك كانت أوامر الحاخامات أن تذهب كل مجموعة من العوائل اليهودية إلى بلد ما وتندمج معه وتؤسس لشبكة التواصل مع العوائل الأخرى في بلدان أخرى، وهذا كان بداية أول انتشار يهودي بتخطيط صهيوني على الأرض.

وهو ما أبقاهم مؤثرين ومتواصلين طيلة أكثر من ألفين ومئة وخمسين عاما رغم ما تعرضوا له هنا أو هناك من عمليات عقابية على جرائمهم ودسائسهم وولاءاتهم الغريبة.

خلق أجواء تخدمهم فقد تمثل في أمور كثيرة منها «التشكيك»، فهو السحر الصهيوني الذي فعل فعله في الكثير من الأمم والحكومات ومازال حتى لا يعلم أي الناس على حق فعلا أم أن ما يقوله ليس إلا دوراً يقوم به بتكليف من قوى أجنبية. تقول تعليماتهم ازرعوا الريبة والشك في كل بلد تطأه أقدامكم..

سربوا الشك في نفوس الناس فيمن ترونهم متعلقين به مؤمنين بقدراته وإخلاصه.. اجعلوهم حين يندفعون إلى أمام يشعرون بقواكم الخفية وكلماتكم التي هي أقوى من السحر تسحبهم إلى وراء».

لقد فعل اليهود هذا عبر التاريخ بل إنهم فعلوا هذا مع الناس الذين شهدوا دعوة الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام وحاولوا أن يزرعوا شكوكا كثيرة في دعوته وهو ما تؤكده آيات الذكر الحكيم.

وفي كل دول العالم عبر مئات السنين شكك اليهود والصهاينة وبأساليب لا يبدو لهم فيها عند الناس أي دور ظاهر بالعلماء والخلفاء والقادة والسياسيين والاقتصاديين وحرفوا كل ذي ولاء عن ولائه وبالتالي نجحوا في السيطرة على العالم.

التشكيك في عالمنا العربي والإسلامي واضح ولكن بعد فوات الأوان، ففي فترة التألق العقائدي والسياسي للزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر سربوا عبر أحزاب وصحف ووثائق مزورة ومن داخل البيت العربي أن الرجل يعمل لصالح المخابرات المركزية الأميركية فيما قال هو عن حركة الإخوان المسلمين أنهم يتقاضون رواتبهم من الجهة نفسها.

كما قالوا الكثير عند سقوط بغداد وقبلها، وهكذا يردد الناس أو ترتاب نفوسهم بقيم ومثل عليا بمجرد أن ينجح اللوبي الصهيوني في بذر فكرة أو معلومة ثم يترك الباقي لنا نتمرغ فيه بترددنا ثم إحباطنا فجنوحنا.

إن الهدف الذي يتوخاه الصهاينة بدأ يقترب من القلب وما حدث في الدنمارك أو غيرها من الدول التي سمحت بممارسات تمس عقيدة المسلمين ما هي إلا جس نبض لردة الفعل التي يبنى عليها الترتيب القادم لهم. فهل نحن بمستوى هذه المواجهة ؟

alkhattab26@hotmail.com