كان نجاح حماس في الحصول على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في الانتخابات الأخيرة مفاجأة كبيرة لكافة القوى المعنية بالقضية الفلسطينية والمختصة بقراءة اتجاهات الرأي العام الفلسطيني والعربي على السواء.

وهذا جعلها مفاجأة سارة بالنسبة لأتباع حماس، وغير سارة بالنسبة لغالبية القوى السياسية الفلسطينية وغير الفلسطينية المنخرطة في عملية السلام. وفي الواقع كان حجم النجاح الذي حققته حماس مفاجأة لحماس ذاتها، مما جعلها تبدو في حالة ارتباك، لكنه ارتباك يشبه فوضى العرس التي تراوح بين الاستمتاع بالفرحة، والتخوف من أعباء المسؤولية.

لقد كانت كافة استطلاعات الرأي العام التي أجريت على الساحة الفلسطينية عشية الانتخابات قد أشارت إلى فوز حركة فتح بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، وإلى أن حماس ستفوز بعدد جيد من المقاعد يؤهلها لتشكيل معارضة قوية والمشاركة في حكومة وحدة وطنية إذا تطلب الأمر ذلك، ولكن لم تتوقع تلك الاستطلاعات نجاح حماس بأغلبية مقاعد المجلس.

إلا أن النتائج جاءت لتقلب كل الموازين السابقة، وتثبت احتمال وقوع المراقبين السياسيين في تحليلات تعتمد الماضي ولا تحسن قراءة المستقبل والتطورات على أرض الواقع.

ولقد أدت المفاجأة إلى حدوث خيبة أمل كبرى لدى كل القوى الفلسطينية والعربية والإسرائيلية والدولية المعنية مباشرة بالعملية السلمية التفاوضية، كان من نتائجها دخول تلك الأطراف في دوامة من الحيرة والتخبط.

إن لمفاجأة فوز حماس وجها آخر، هو فشل كافة أجهزة المخابرات ومراكز الدراسات المعنية بالانتخابات الفلسطينية والعملية السلمية في قراءة الأحداث السياسية والتطورات الثقافية - الاجتماعية.

وهذا يطرح العديد من الأسئلة المهمة التي لا بد من محاولة الإجابة عنها من أجل التعامل مع الأوضاع المستجدة بعقلانية وواقعية. ومن أهم تلك الأسئلة: لماذا حققت حركة حماس ذلك الفوز الكبير؟

لماذا فشلت أجهزة المخابرات ومراكز الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلية والأميركية والأوروبية في قراءة المستقبل والتنبؤ بالتطورات المحتملة على الساحة الفلسطينية؟ وما هي تبعات هذا التطور الكبير على موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط عامة، وعلى فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية خاصة، والعلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية بشكل أخص؟

إن نجاح حماس في الانتخابات لم يكن وليد صدفة، أو بسبب تطورات سياسية أو اجتماعية - ثقافية أو اقتصادية طارئة على الساحة الفلسطينية. لقد جاء ذلك النجاح الباهر نتيجة لأسباب عدة.

وفي سياق تطورات سياسية وغير سياسية كثيرة استغرق نضوجها حوالي الربع قرن وأدت إلى تحولات مهمة في الوعي الفردي والجماعي، الفلسطيني والعربي، عبر عن نفسه في التوجه المتزايد نحو الإسلام، وتصاعد العداء لأميركا، وتراجع الثقة ببعض أنظمة الحكم العربية.

لقد اتجهت حماس، ومنذ تأسيسها في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، إلى الاهتمام بالأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني، وتقديم العون للمحتاجين، وهذا جعلها تكتسب مع الأيام شعبية ومصداقية كبيرة، خاصة في قطاع غزة وبين اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات.

وبينما كانت حماس تحقق المزيد من الشعبية وتقوم بتقديم المزيد من الخدمات، كانت فتح تبدي عجزا شبه كامل أمام التحديات المعيشية للمواطنين، وتجاه الاستحقاقات السياسية للمرحلة التاريخية التي تولت زمام القيادة فيها، وتغرق تدريجيا في بحر من الفساد والابتعاد عن المسؤولية والشفافية.

ولقد كان من نتائج ذلك اتجاه الكثيرين من أبناء فلسطين إلى الابتعاد عن فتح، وقيام العديد من المثقفين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين بتوجيه النقد لممارساتها وبرنامجها السياسي، واتهامها بالقصور والتقصير.

إلى جانب ذلك، بينما كانت حركة فتح تتخلى تدريجيا عن مبدأ الكفاح المسلح وتتجاوز المبادئ والشعارات التي رفعتها سابقا وكسبت على أساسها شرعيتها وشعبيتها، كانت حماس تعيد طرح تلك الشعارات وتنادي برفض الاعتراف بدولة إسرائيل وبالعمل على تحرير كافة التراب الفلسطيني.

ولما كانت فتح قد اختارت المفاوضات السياسية بدل المقاومة المسلحة كخيار استراتيجي، فإنه كان لا بد لها من تحقيق قدر كبير من النجاح في مساعيها السلمية للحفاظ على مواقعها المجتمعية. لهذا أدى فشل فتح في تحقيق السلام، وقيام إسرائيل بإحباط كل المحاولات الدولية لتحقيقه، إلى تضاؤل إيمان الشعب الفلسطيني بعملية السلام، بينما كان إيمانه بالمقاومة المسلحة يتصاعد بشكل تدريجي.

وفي الواقع، كان الفشل في تحقيق تقدم ملموس في عملية السلام مع تمسك فتح بتلك العملية، بمثابة اعتراف بعدم القدرة على فعل أي شيء من شانه إصلاح الوضع القائم أو إعادة الأمل لقلوب الناس.

وهذا يعني أن موقف فتح، في ضوء التعنت الإسرائيلي والمراوغة الأميركية والسكوت الدولي والعجز العربي، أصبح بمثابة رضوخ لعملية سياسية قادت إلى واقع اقرب إلى الاستسلام منه إلى السلام.

ولقد صرح عضو المجلس التشريعي المنتخب الدكتور صائب عريقات أن فشله في إدارة المفاوضات كان سببا رئيسيا في فوز حماس في الانتخابات التشريعية وحصولها على أغلبية المقاعد النيابية.

إن فقدان الأمل في العملية السياسية التفاوضية أدى إلى فقدان الأمل في القيادة السياسية المنخرطة في تلك العملية والمشرفة عليها، وقاد بالتالي، وكان من المحتم أن يقود، إلى البحث عن بديل سياسي وقيادي لمرحلة ما بعد العملية التفاوضية الحالية.

إن اتجاه المواطنين إلى تغيير القيادة السياسية والنهج الإداري الفاشل يعني تغيير الحزب الحاكم، أي تنحية فتح عن كراسي الحكم واستبدالها بقيادة جديدة ذات فلسفة جديدة.

وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني قام من خلال الانتخابات التشريعية بسحب الثقة من القيادة الفتحاوية ومن العملية التفاوضية التي ترتكز على مبادئ واتفاقيات أوسلو، وهي العملية التي جاءت منذ يومها الأول، مشوهة وجاءت قاصرة من حيث الرؤية والأفق والعدالة والأمانة مع النفس والغير.

وهذا يعني أن جزءاً من الشعب الفلسطيني اختار الدعوة للإصلاح بدلا من القبول بالترهل السياسي والفلتان الأمني والفساد الإداري والمالي، وأن جزءا آخر وافق على منح المقاومة المسلحة فرصة لممارسة سياستها بدلا من الاستسلام لعملية تفاوضية لم تف بوعدها ولم توقف السرطان الاستيطاني.

كما قرر آخرون الرد على العنجهية الإسرائيلية والانحياز الأميركي السافر للعدو الصهيوني بانتخاب قيادة صعبة المراس ومستعدة لمواصلة الكفاح المسلح وتقديم المزيد من التضحيات من أجل حصول الشعب الفلسطيني على الجزء الأكبر من حقوقه التاريخية.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

professorrabie@yahoo.com