لعالم الاجتماع الأميركي الأسود إدوارد فرانكلين فريزر كتاب مهم بعنوان «البورجوازية السوداء: نشأة الطبقة الوسطى الجديدة» صادر عام 1957، يتحدث فيه عن الكيفية التي ظهرت من خلالها البورجوازية السوداء الجديدة في أميركا.

يكشف فريزر في كتابه المهم المفارقة بين تدهور أوضاع السود في أميركا وبين نشأة البورجوازية السوداء المتوحدة مع أهداف وقيم البيض على حساب المجتمع الأسود الأكثر فقراً.

ورغم أن فريزر ينتمي لنفس الطبقة البورجوازية التي يتحدث عنها، إلا أنه قد امتلك ذلك القدر من الوعى الذي سمح له بأن يرى وضعيته الجديدة ضمن إطار هيمنة المجتمع الأبيض.

وعلى ما يبدو أن فريزر قد تنبه في آخر أيامه أنه ورغم الامتيازات الهائلة التي يتمتع بها والتي سمحت له بها الأغلبية البيضاء، فإنه لن يستكمل كيانه وهويته طالما بقيت الجماعة السوداء التي ينتمي إليها تعاني من التمييز العنصري الموجه ضدها من قبل البيض.

يطالعني كتاب فريزر دائما كلما سمعت تصريحات وبيانات كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية. يذكرني الكتاب بكون أنها جزء من هذه الطبقة صنيعة الهيمنة البيضاء الأميركية. تتسم رايس بقدرة كبيرة على إطلاق التصريحات وصك البيانات بشكل متواصل ومستمر.

كما أنها تتسم بجرأة وقدرة على الهجوم على الآخرين بطريقة لا تتناسب مع كونها تنتمي داخل أميركا إلى الأقلية الأكثر تعرضا للقهر والتمييز العنصريين حتى الآن.

كما أنها تتميز بذلك القدر من الدهاء الذي يتيح لها قلب الحقائق، واتهام الآخرين، وتأليب العالم عليهم. إضافة إلى ذلك، فإن خطابها ينطوي على قدر ضخم من التهديد والوعيد بشكل لا يتناسب مع كونها وزيرة خارجية من المفروض أن يتحلى خطابها بالرصانة والهدوء.

تمثل رايس الطبقة البورجوازية التي تحدث عنها فريزر بامتياز. حصلت رايس على تعليم متميز، كما أنها تتقن عدة لغات أجنبية، إضافة إلى مناصبها الأكاديمية والحكومية الرسمية المتلاحقة التي انتهت بها إلى سدة كرسي وزارة الخارجية الأميركية.

لا يعني ذلك أن الأقلية في أميركا تعايش نفس الوضعية الخاصة برايس من حيث الحصول على مستويات تعليمية متميزة، وشغل الوظائف الجيدة، إضافة إلى ظروف العيش الإنساني الكريم. العكس هو الصحيح تماما، فأعلى معدلات للفقر والجريمة وتدني المستويات التعليمية هي تلك المنتشرة بين أبناء هذه الأقلية في أميركا.

ورغم الثورات المدنية التي قام بها السود في أميركا منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن، ورغم البرامج الاجتماعية المتلاحقة التي انتهجتها الحكومات الأميركية المتعاقبة، بنسب متفاوتة، لتعويضهم عن فترات الحرمان التي واجهتهم، فإنهم مازالوا يعانون من تدني المستويات المعيشية بشكل بالغ ومزمن.

وما الصور التي نشاهدها للمغنيات الأميركيات وللرياضيين وللسياسيين السود المعاصرين، إلا الجانب المشرق من الصورة الذي يخفي قبح الممارسات الأميركية الداخلية ضد المواطنين الأميركيين السود.

لا تستطيع رايس كمواطنة أميركية أن توجه سهام نقدها وحدة لسانها إلى نقد النظام الاجتماعي الداخلي الأكثر تمييزا ضد السود وغيرهم من الأقليات الأخرى، لكنها تترك كل هذا التمييز والظلم الواقع على هذه الأقليات لتهاجم إيران وسوريا، وتحاصر حماس، وتنتقد شافيز. وهو نفس الخطاب الذي تتبناه النخبة البيضاء الأميركية.

لا تستطيع رايس أن تهاجم القيم البيضاء التي أوصلتها إلى كرسي وزارة الخارجية لأكثر الدول قوة وهيمنة على الآخرين، كما أنها لا تستطيع أن تتحدث عما يحدث لأبناء جلدتها من امتهانات يومية، لكنها تستطيع أن تهاجم إيران وتتهمها بجرأة لا تحسد عليها بأنها البنك المركزي للإرهاب العالمي.

لا تستطيع أيضاً أن تشير إلى انتشار الجرائم بين السود في أميركا، لكنها تستطيع أن تتهم كلا من إيران وسوريا بأنهما تحرضان العرب والمسلمين على التظاهر ضد الرسومات المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام.

ولا تستطيع أن تتناول عنف البوليس الأميركي ضد الشباب الأسود، لكنها تهدد وتتوعد الحكومات العربية التي يمكن أن تمد يد العون للفلسطينيين بعد النصر الكاسح لحركة حماس.

نحن لا نطالب رايس بنقد ما يحدث في معتقل غوانتانامو، أو بتناول صور التعذيب الجديدة في سجن أبو غريب، أو التعقيب على استخدام الأسلحة المحرمة في العراق وأفغانستان، أو الإشارة إلى الممارسات الإسرائيلية النازية ضد الفلسطينيين.

نحن فقط نذكرها بحقوق الأقلية السوداء في أميركا. نذكرها بأنها لا يجب أن تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتلقي الاتهامات يمينا وشمالا، بينما أبناء جلدتها يعانون الأمرين في أميركا. نذكرها بأنها يجب ألا تثرثر بخطاب الإصلاح بينما الأقلية في أميركا تحتاج لإعادة إصلاح اقتصادي واجتماعي وسياسي وإنساني.

وإذا كانت رايس قد تجردت من انتماءاتها للأقلية السوداء، واستطاعت من خلال الامتيازات التي أغدقتها عليها النخبة المهيمنة أن تنسلخ كلية عن الجماعة التي تنتمي إليها، فإننا في العالم العربي يجب ألا نصغي لها ولوعيدها، يجب ألا ننصاع لأوامرها ونواهيها.

علينا أن نتذكر أن الفلسطينيين إخواننا في اللون واللغة والدين والثقافة، وأن تجويعهم مثلما تهدف رايس وأربابها في البيت الأبيض مسألة تتعارض مع قيمنا وتوجهاتنا العربية.

علينا أن نتذكر أن السوريين أشقاء لنا، وأن الإيرانيين أقرب إلينا من أميركا ومن إسرائيل. وعلينا أخيرا أن نترك رايس لمشكلاتها الأميركية، ربما تفيق يوما ما، مثلما سبقها مواطنها الأسود إدوارد فرانكلين فريزر.

كاتب مصري