لاحت عشية اجتماع مجلس أمناء وكالة الطاقة الذرية بارقة أمل بأن تلقى أزمة الملف النووي الإيراني مخرجاً يزيل التوتر، ويرضي كل الأطراف المعنية به.
فهذا الموضوع الذي وصل الخلاف حوله بين طهران والغرب إلى شبه انسداد، بدا وكأنه صار في طريقه إلى مجلس الأمن، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من احتمالات تصعيد يهدد الأمن والسلم في المنطقة والعالم، تحت ضغط الوقت واجتناباً لمواجهة مثل هذه الخطورة، نشطت التحركات بين روسيا وإيران.
وتوصلتا في آخر المطاف إلى «اتفاق» وسط، يبدو أنه قادر على سحب فتيل الأزمة، إذا ما تمّ إبرامه وتفعيله، فهو يجمع بين تلبية حق طهران في الحصول على الوقود النووي للأغراض المدنية، وفي الوقت ذاته يضع حداً للمخاوف والشكوك من احتمال لجوء إيران إلى استخدام هذا الوقود لأغراض عسكرية.
في البداية، تأرجح هذا الملف بين الانفراج النسبي والتأزيم. لكن بحكم طبيعته وخلفية العلاقات الإيرانية ـ الأميركية، أساساً، ثم الإيرانية ـ الأوروبية ـ كما بحكم وجود العامل الإسرائيلي ـ كان مآله محكوماً بالتأزيم.
وتجرجر في هذا المنحى حوالي سنتين، وفي الأشهر الأخيرة وصلت مسيرته إلى نقطة الحسم، إما العثور على مخرج وإما الدخول في التصعيد التدريجي المفتوح، وخلال المسار كان هناك أمر واضح وآخر مرجَّح، الأول ان الأطراف المعنية كانت تمارس سياسة «حافة الهاوية».
وبالرغم من خطاباتها المتشددة وأحياناً الاستفزازية، إلا أنها كانت توظف هذه اللعبة لتحسين الشروط، في صفقة اللحظة الأخيرة، فالكل كان على بينة بأن الظروف السائدة والتوازنات تحتمّ التوصل إلى صيغة تحفظ ماء الوجه.
على الأقل في المدى المنظور. أو في أقله، القريب، الخيار العسكري ليس متاحاً لواشنطن، برغم قدراتها وتفوقها في هذا المجال والأسباب كثيرة، عدّدها مراقبون وعسكريون أميركيون، تتراوح بين الانشغال المكلف، في الوقت الراهن، بالعراق وبين حجم ووضع وإمكانات إيران المختلفة عن العراق وظروفه.
كذلك كان من الواضح ان إيران لم تسقط احتمال لجوء أميركا إلى هذا الخيار وبالتالي وضع منشآتها النووية في دائرة الخطر، ومن هنا كانت دبلوماسيتها تتحرك في الاتجاهات كافة وببراعة وفعالية مؤثرتين، تمكنت من خلالهما من ان تشتري المزيد من الوقت وتؤسس لتسوية توائم مصالحها وتكون مقبولة من الآخرين.
الأمر الآخر المرجح كان انه ليس في الساحة غير البوابة الروسية كمدخل إلى حلّ يمكن تسويقه، فالعلاقة الخاصة لاسيما النووية، بين طهران وموسكو.
فضلاً عن وقوف هذه الأخيرة في وجه إحالة الملف إلى مجلس الأمن أو فرض عقوبات اقتصادية على طهران، إلى جانب امتلاكها لحق الفيتو في المجلس كله شكَّل بالنسبة لإيران قناة العبور إلى الضفة الواقية الأخرى، وتحقق ذلك عبر الاتفاق «المبدئي» الذي تمّ التوصل إليه بين البلدين لإنشاء «شركة مشتركة» تقوم بتخصيب اليورانيوم.
التفاصيل مازالت غير معروفة، لكن الجانبين أكدّا «إمكانية التوصل إلى نتيجة مرضية» خلال اجتماع لجنة الطاقة في السادس من مارس، وهذه لغة جديدة وصيغة تلبّي المطالب المختلفة:
إيران تحصل على اليورانيوم المخصب لكن التخصيب يحصل خارج أراضيها، وهي صيغة وسط، وخير الأمور الوسط، لأنه وحده قادر على حماية الأمن والسلام، في منطقة مشبعة بالأزمات.