الرئيس الاميركي جورج بوش يبدو أكثر قلقا من معظم القادة العرب والمسلمين تجاه انحدار العراق إلى حافة الحرب الاهلية الطائفية، بعد تفجير قبة مرقد الامامين الهادي والعسكري في سامراء، فقد بادر إلى الاتصــال بالعديد من زعماء الطائفتين الشيعـــية والسنية، علاوة على رئيس الوزراء، وبعض المرجعيات الدينــية طالبا التهــدئة وضبط النفس.
القلق الاميركي لا ينطلق من الحرص على حقن دماء العراقيين، فقد قتلت قوات الاحتلال أكثر من مئة الف منهم حتى الآن، وهناك من يقول إن الرقم اكبر من هذا بكثير، وانما هو نابع من الخوف من تدهور الاوضاع بصورة اكثر خطورة مما يفسد علي الادارة الاميركية خططها بسحب تدريجي لقواتها من العراق ابتداء من (مايو) المقبل.
العراق لم يشهد حربا طائفية منذ أربعة عشر قرنا أو اكثر، بل شهد تعايشا بين جميع الاعراق والطوائف جعل من العراق قوة اقليمية مرهوبة في المنطقة.
الامراض الطائفية التي نشهدها حاليا هي نتاج الاحتلال، والقوى العراقية التي ارتبطت بمشاريعه الاستعمارية، وتعهدت بتنفيذ مخططاته طمعا في الحكم، ومقابل حفنة من الفضة.
تفجير قبة الامامين في سامراء عمل اجرامي مدان بأقوى الكلمات، يهدف الى بذر بذور الفتنة، واشعال فتيل الحرب الطائفية بين ابناء الوطن الواحد، ولا يمكن ان يقدم عليه انسان عاقل.
ولكن ما هو مدان بكلمات أقوى واشد هو تلك الاعمال الانتقامية ضد مساجد وأناس ابرياء تحت سمع الحكومة وقواتها وميليشياتها، وربما بأوامر عليا، ومشاركة فعلية.
مرقد الامامين ظل في مكانه آمنا لمئات السنين، وبحراسة ابناء الطائفة السنية ورعايتها، سواء كانوا في الحكم، او خارجه، ولم يتعرض للنسف إلا في زمن الاحتلال الامريكي ورجالاته، وهذا يطرح العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة هذا التحالف الذي يحكم العراق حاليا.
لو افترضنا جدلا إن جماعة أبومصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، هي التي اقدمت علي تفجير قبة المرقد، وهو احتمال مرجح، فان هذه الجماعة خارجة على القانون، ولم تعلن يوما انها حريصة على استقرار العراق، ونجاح العملية السياسية القائمة فيه حاليا.
ولكن الجهات التي اقدمت على تنفيذ هجمات انتقامية ضد أكثر من مئة وخمسين مسجدا، وقتلت اكثر من مئتي شخص هي قوات تابعة لحكومة تقول انها شرعية، وتتلقي أوامرها من مرجعيات عليا بل هي الاعلى في الهرم الاسلامي العراقي.
الحكومة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن حماية دور العبادة ومرتاديها، سواء كانوا من اتباع طائفتها او من طوائف واديان اخري. هذا ما يقوله المنطق، ولكن منطق الحكومة التي تحكم العراق حاليا مختلف عن كل اقرانه، بل هو منطق طائفي مريض.
فكيف يمكن تفسير اقتحام احد السجون التابعة للحكومة، والخاضع لحمايتها، في مدينة البصرة، وقتل جميع نزلائه من جنسيات عربية واسلامية تحت سمع الحراس وبصرهم.
وكيف يمكن فهم اختطاف صحافية ومصوريها، ثم قتلها في منطقة تعج بقوات الامن بعد تفجير قبة المرقد؟ ثم ما هو ذنب أقلية فلسطينية مسلمة تعيش في حال رعب، وتتعرض لكل أنواع الارهاب، من قبل ميليشيات الحكومة، لأن الاقدار حكمت عليها ان تلجأ إلى هذا البلد العربي الذي كان نموذجا في التعايش الطائفي، ويشكل سندا للأمة العربية، وشاركت قواته، عندما لم يكن هناك اي فرق بين سني وشيعي، في حرب فلسطين واستشهد العديد من العراقيين دفاعا عن كرامة الامة والعقيدة!
لم نسمع كلمة واحدة من عبدالعزيز الحكيم زعيم الائتلاف الشيعي الحاكم عن فلسطين منذ ثلاث سنوات، ولم نقرأ كلمة للدكتور الجعفري رئيس الوزراء ضد جرائم الاحتلال وعمليات تهويد القدس وخنقها بالمستوطنات، فهل هذا هو العراق الذي احتضن أهم امبراطورية اسلامية في التاريخ، وهل هذا هو العراق الذي انطلق منه نبوخذ نصر لطرد الغزاة المحتلين اليهود للقدس؟
الحكومة العراقية الحالية فشلت في حكم العراق لأنها حكومة طائفية، تتحكم فيها نزعات انتقامية، رغم وجود مئة وخمسين الف جندي أميركي، وخمسين آخرين جاءوا من كل أصقاع الارض، علاوة علي 250 الف جندي عراقي موزعين بين قوات الامن والشرطة والحرس الوطني، عدا عن عشرات الآلاف من الميليشيات الطائفية.
هذه هي المرة الاولي في تاريخ العراق، حديثه وقديمه، الذي لا تستطيع فيه الحكومة حماية نفسها، ولا يمتد نفوذها الامني الى ما هو أبعد من حافة المنطقة الخضراء في العاصمة المحمية أميركيا.
الحكومات التي حكمت العراق، ونجحت في بسط الامن، والسيطرة على كل أصقاعه، والحفاظ على استقراره، ووحدة ترابه الوطني، كانت دائما ترتكز الي ثوابت وطنية، وتستمد قوتها وشرعيتها من الشعب بكل فئاته وطوائفه، وتتعامل مع مواطنيها بالعدل والمساواة، وتحافظ علي هوية البلد العربية والاسلامية.
مراقد الائمة الاشراف في العراق وخارجه مقدسة لدى جميع المسلمين بغض النظر عن طوائفهم وانتماءاتهم، والمظاهرات الغاضبة احتجاجا على تفجيرها او المساس بقدسيتها امر مشروع، ولكن من حقنا ان نسأل عن اسباب الصمت المريب الذي ساد اوساط المرجعيات، وعلى مختلف المستويات، عندما تعرضت قبة ضريح الامام علي كرم الله وجهه لنيران القوات الاميركية، وعندما استباحت هذه القوات حرمة النجف الاشرف.
لماذا لم نسمع فتاوي بالتظاهر والانتقام من المحتل الاميركي بالقدر نفسه الذي شهدناه ونشهده هذه الايام؟
وقفنا، وسنقف دائما ضد التقسيمات الطائفية البغيضة، وطالبنا ونطالب العقلاء من ابناء العراق ادارة الازمة الحالية بحكمة وتبصر لقطع الطريق علي كل الذين يحاولون تفجير الحرب الاهلية الطائفية لانها ستكون دمارا على الجميع داخل العراق وخارجه.
الجهود التي يبذلها مقتدي الصدر مع هيئة علماء المسلمين، والجماعات والشخصيات الوطنية من الجانبين، الشيعي والسني، لتعزيز اللحمة بين ابناء العقيدة الواحدة، هي التي تعكس وجه العراق الحقيقي الذي عرفناه على مر العصور، عراق المحبة والتسامح والتلاحم والتراحم.
أما عراق الاحتلال والمتواطئين معه، فهؤلاء دخلاء على هذا البلد العظيم وتاريخه المشرق، وتراثه الغني بكل قيم التآلف والوحدة الوطنية.