جميع المواطنين يشعرون أن الإرهابيين لا يختلفون عن أي وباء، أو كارثة، وكل يوم تبدد القناعات صورة ذلك الإنسان الانتحاري بأنه على خُلق عظيم، طالما يقتل ويدمر ويفتعل المواقف التي تذهب إلى موارد الناس وأمنهم الاجتماعي.
في المملكة عشنا أياماً صعبة، ليس لأن الإرهابيين وصلوا بنا إلى حافة الموت والهجرة عن بلادنا، أو إعلان حالة الطوارئ، ومنع التجول، وإنما لحداثة هذا السلوك وجدّته، وهنا كانت الصدمة، أن من يقومون بتنفيذ هذه الجرائم والاعتداءات هم من مزرعتنا الوطنية ومعظمهم ممن أحوالهم فوق الجيدة مادياً وأسرياً، وقضية أن يوجد شذوذ في فكر أو ممارسات أخلاقية، أو جنح كبيرة، فهي أمور عادية في أي مجتمع، بل وبكل التواريخ البشرية..
المسؤولية الآن خرجت من نطاق الصدام بين السلطة والإرهابيين إلى الرقابة العامة من كل المواطنين، بحيث إن أي مثيرات للشك، كأن يوجد جار مريب، أو سيارة تتحرك أو تقف بشكل استثنائي، أو تردد على شقة بأوقات غير معتادة، وغيرها، أن يكون المواطن هو الرقيب، والكاشف لهذه الحالات، والدولة أيضاً عليها أن تستجيب أجهزتها الأمنية، وأن لا تجعل المخبر المتبرع بمثابة المتصرف بسلوك كيدي، ليتحول إلى متهم غير بريء، لأن ذلك يخلق تراجعاً خشية العقاب، مثلما حدث مع مسعفين لحوادث مرورية بعيدة عن أجهزة الإسعاف أو المستشفيات، والتي تورط بها أكثر من مجتهد.
فالقضية أمنية، وموضوع الشك في أي حالة ما والتبليغ عنها، يجب أن تؤخذ من باب الحذر، وبهذا التصرف يمكن لتعاون المواطن أن يضعنا في خندق رجل الأمن طالما الخطر يواجهنا جميعاً، وأن هذه العناصر يمكنها التلون، والتسرب لأي موقع حصين، أو آمن، طالما الأساليب المبتكرة تأتي من إنسان يقدم نفسه قرباناً لأفكاره، وضد كل الناس وممتلكاتهم، ولديه تجارب منظمات إرهابية تخترع لأساليبها، ألف حيلة وشكل..
المواجهة قائمة، وشجاعة رجل الأمن بتصديه لتلك الخروقات، صارت مثار احترام الداخل والخارج، لكن أن ندعم هذه الجهود بوعي عام من المواطنين، وأن نجعل المسؤولية مشتركة برفع سقف التحري، إلى حدوده القصوى، وعدم كشف هوية أو اسم المتعاون بشعور من المواطنة، يضعنا أمام قوة كبيرة، تجاه قوى الإرهاب، وهي ضريبة طبيعية لمن يريد أن يحمي حياته وأبناءه، وكل من ينتمي لهم من المجتمع.
خاصة وأن هناك فئات أخطر من الأعضاء المنفذين للجرائم، ممن لديهم القدرة على استقطاب الشباب وغسل أدمغتهم، والتستر على مصادر تمويلهم، والأجهزة التي ينتمون إليها بالداخل والخارج. وهم عينات موجودة لا تزال تعمل بالخفاء من خلال منافذ عديدة، كالمدارس والمساجد والاستراحات وغيرها، وهم لا يقلون شراسة وخطراً عمن يفخخون ويقتلون باعتبارهم أدوات لتلك القيادات ومن يمثلونهم..