قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن الأزمة التي أثارتها الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم واحدة من أخطر الأزمات بين أوروبا والعالم الإسلامي، وإذا كانت العبر المباشرة الظاهرة للعيان قد أشبعت بحثا وتحليلا فإن عبرة الموقف الإنجلوأميركي منها ربما تكون العبرة الأهم.
فبينما رفضت الحكومة الدنماركية الاعتذار عن نشر الرسوم وتلا ذلك مواقف «تضامنية» وبصفة خاصة إقدام دوريات أوروبية على إعادة نشر الرسوم نفسها، فقد أعيد نشرها في صحف ألمانية وإيطالية وهولندية واسبانية ومجرية، قالت جميعها إنها تمارس حرية التعبير عن الرأي.
وبلغت هذه المواقف قمتها بإعلان الاتحاد الأوروبي انحيازه لحرية التعبير في مواجهة مقدسات الأديان، وفي المقابل أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا «رسميا» إدانتهما لما حدث.
التصريحات بها تعبيرات من المهم جدا ذكرها بنصها لأهمية ما تشير إليه، فأميركا اعتبرت نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الصحف الأوروبية يشكل تحريضا «غير مقبول» على الحقد الديني أو الإثني، وقال ناطق باسم وزارة الخارجية إن «هذه الرسوم الكاريكاتورية تسيء حقا إلى معتقدات المسلمين».
وأضاف «جميعنا نحترم كليا حرية الصحافة والتعبير ونقر بها لكن من الضروري أن تقترن بحس المسؤولية لدى الصحافة». ودعا «إلى تقبل الآخر والاحترام لجميع المجموعات ومعتقداتها وشعائرها الدينية».
أما وزير الخارجية البريطاني جاك سترو فاعتبر أن قرار نشر الرسوم في بعض وسائل الإعلام الأوروبية «غير لائق» وينم عن «قلة احترام» تجاه المسلمين وبأنه «مهين» و«يفتقر إلى الحساسية» و«الاحترام».
معتبرا أن الصحف «أخطأت»، مضيفا: «هناك حرية الصحافة وجميعنا نحترمها. لكن ليس من الواجب الإهانة أو اتخاذ مواقف مثيرة للخلافات بصورة مجانية».
وأشاد سترو من جهة أخرى بموقف الصحافة البريطانية التي امتنعت خلافا للصحافة الأوروبية عن إعادة نشر الرسوم موضع الخلاف، ووصف سترو موقف الصحافة البريطانية بأنه «مسؤول».
وكان رئيس الوزراء توني بلير أعلن قبل يوم واحد من هذه التصريحات أن قرار نشر الرسوم «يعود بالكامل إلى وسائل الإعلام».
وسعت جميع الصحف من صحيفة «اندبندنت» اليسارية إلى «ديلي تلغراف» اليمينية للتوفيق بين ما وصفته الأولى ب«حقوق متنافسة» وهي حرية الصحافة وحرية المسلمين في عدم الإحساس بأنهم مستهدفون.
وكتبت «اندبندنت» إن «تقديم حق على الآخر ينم عن تعصب»، فيما رأت «ذي غارديان» أن الصحف «ليست مرغمة على نشر وثائق مهينة لمجرد أنها موضع جدل». أما «فايننشال تايمز» فرأت أن نشر الرسوم عمل «أحمق»!ئ؟
أول العبر في ما مر أن الحديث عن موقف «غربي» من الإسلام هو حديث يفتقر للدقة ويغفل وجود تباين بين ما هو «أوروبي» وما هو إنجلوسكسوني، وأن العداء المبدئي للإسلام في الغرب مرتبط بالتطرف العلماني .
ولا صلة له بالدين المسيحي على الإطلاق، ولذا فإن المجتمعات ذات الثقافة الأكثر تطرفا في تبني العلمانية الشاملة تتخذ موقفا عدائيا من الإسلام .
كما هو موقفها من الأديان السماوية عموما وهو ما يفسر أن بعض من أعادوا نشر الرسوم أكدوا أن المسيح عليه السلام تعرض لمثل ذلك، وفي مجتمعات تبنت صيغة «علمانية مؤمنة» كأميركا وبريطانيا كان هناك إدراك ورغبة حقيقية في التوفيق بين ما يبدو متعارضا.
من ناحية أخرى فإن هذا الموقف «الرسمي» ليس أول تباين في الموقف من هذه القضية فقبل أيام من هذه التصريحات انتقد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون نشر الرسوم محذرا من أن معاداة الإسلام توشك أن تحل محل معاداة السامية.
وهو ارتباط له جذوره في العقلية الغربية يعزز القول بأن موقفا موحدا علمانيا متشددا هو ما يحرك هذه المواقف العدوانية تجاه «الأديان السماوية».
وهذا التباين يؤكد أهمية أن نأخذ في الاعتبار الخلفيات المعرفية والثقافية والعقائدية للنظم السياسية في التعامل مع أجنداتها السياسية.
فهذا الذي يبدو نوعا من الترف المعرفي ستكون له نتائجه السياسية وبخاصة في ظل سيادة خطاب تحليلي عربي منذ سقوط الاتحاد السوفييتي يرشح أوروبا حليفا للعرب والمسلمين بأمل مواجهة التفرد الأميركي بالعالم.
وهو ما دعا إليه صراحة رئيس وزراء إسبانيا مؤخرا، والصدام الأخير وإن بدا محصورا في نطاق ما هو عقائدي ستكون له آثاره السياسية. وقد ضاع الموقف الأميركي من قانون حظر الرموز الدينية في فرنسا الذي عرف بقانون «حظر الحجاب».
وبدت الإدانة الرسمية الأميركية كما لو كانت رسالة ضلت طريقها إلى المرسل إليه، أما في هذه المرة فإن العبرة واضحة وستفتح الباب لنظرة جديدة للمحيط الأطلنطي كفاصل بين عالمين مختلفين إلى حد بعيد في قضايا مفصلية، وهما عالمان طالما أطلقنا عليهما معا «الغرب».
كاتب مصري