كانت الكلمة فى البدء قلعة نور وأمل للباحثين عن الحقيقة، وشعاع ضوء للراغبين في معرفة طريق الحرية، وبوصلة تحدد اتجاهات مطاردي المعرفة، وقبلة تهوي اليها افئدة الرافضين للظلام والجهل والتخلف..

انها كلمة مجرد كلمة، لكنها غيرت مجرى حياة البشرية، اذ استخدمها الانبياء لنشر رسالاتهم وهداية البشر، واتخذها المصلحون وسيلة للترويج لأفكارهم عن العدل والمساواة والكرامة، واختطفها الجلادون لفرض سيطرتهم على البسطاء، واعتمد عليها الثوار لتحرير شعوبهم من قبضة محترفي التزوير وسرقة دماء الشعوب.

هذه الكلمة التي حمل فرسانها في هذا العصر مجازاً لقب «أعضاء صاحبة الجلالة»، تتعرض الآن لكل انواع الحصار وتضييق الخناق بل ويوقد لها البعض ناراً ليحرقها.

واصبح اعضاؤها اهدافاً يتم اصطيادهم واحداً بعد الآخر، من اجل ان يعم الظلام، وتختفي تفاصيل الحقيقة التي تؤلم دائما من لا يريد للآخرين ان يدركوها.

آخر من انضم الى قافلة شهداء الكلمة والمعلومة، صحافية من الباحثين عنها في دروب وأزقة العراق، وهى أطوار بهجت مراسلة قناة العربية واثنان من زملائها، اثناء محاولتهم نقل ما حدث فى سامراء من تفجير آثم لمرقد الامامين، والذى فجر عنفا طائفيا بغيضا راح ضحيته الكثير من الابرياء اضافة الى الاعتداء على المئات من المساجد.

أطوار بهجت الكاتبة والشاعرة صاحبة ديوان «غوايات البنفسج»، أغواها هدف واحد للذهاب الى هذا الميدان الملتهب، وهو البحث عن الحقيقة ونقل الصورة الصحيحة عما يجري على الارض.

لكن يبدو ان غوايات الحقيقة فى هذا الزمان اصبحت محرمة وغير مشروعة، لأن البعض يريد لها ان تختفي والا تظهر ابدا، لأن ظهورها من شأنه ان يكسر التابوهات الكثيرة التى تحيط بنا، والتى يراد منها ان نظل دائما أسرى القوالب الجاهزة المعلبة للحقيقة.

لكن ما حدث لأطوار، لم يكن الفعل الجبان الوحيد الذى ارتكب ضد الصحافيين، الذين وقع الكثير منهم ضحية للهمجية والعنف والارهاب، فقد اكد الاتحاد الدولي للصحافيين ان 150 صحافيا لقوا مصرعهم عام 2005 بينهم 89 قضوا «خلال قيامهم بمهامهم».

واكد الاتحاد ان معظم هؤلاء قتلوا في عمليات اغتيال دبرها مسؤولون سياسيون او قوات شبه عسكرية او مجموعات اجرامية. وبحسب الاتحاد فإن العام 2005 هو من اسوأ الاعوام التي شهدتها مهنة الصحافة التي اصبحت مزاولتها اكثر خطورة.

اما منظمة مراسلون بلا حدود، فقالت ان 72 اعلاميا قتلوا في العراق منذ بداية الغزو الاميركي البريطاني فى مارس 2003، ومعظمهم من العراقيين وبعد العراق، تعد الفلبين هي ثاني اكثر البلدان خطورة بالنسبة لمهنة الصحافة، اذ قتل في هذا البلد اربعة صحافيين عام 2005.

ولم يقتصر التضييق على الصحافيين والاعلام فقط على العنف والارهاب والقتل، بل ان هناك العديد من الوسائل الاخرى «غير الدموية» التي تستخدم لقمع حرية الكلمة ووأد انتقال المعلومة ونشرها، مثل القوانين المقيدة للحريات.

والعقوبات التي تستهدف الصحافيين، اضافة الى مصادرة حق التعبير، وتوسيع مساحة المناطق المحظور الاقتراب منها، سواء بالنقد او حتى بنشر الحقائق كاملة.

من هنا فاننا نرى ان هناك محاولات جديدة، من جانب الكثير من القوى الدولية، للقضاء على حرية الاعلام، وتقييد حركته ودوره في ايضاح الحقائق للناس، ليس هذا فقط، بل ان هناك من يحاول عن عمد منع نشر الحقائق، من اجل تعميم ونشر ثقافة الجهل التي تخدم مصالح تلك القوى، الراغبة في احكام سيطرتها وتسلطها على مختلف شعوب ودول العالم.

لذلك يجب وقف هذه المحاولات والتصدي لها بكل الوسائل والسبل الممكنة لأن المسألة لا تتعلق فقط بدماء صحافي تسال على أرض الحقيقة، وانما القضية تتعلق بسعي البعض الى اختطاف هذه الحقيقة، وترويضها وفقاً لمصلحته الخاصة، بصرف النظر عن تداعيات ذلك للآخرين.