قضيتان حاكمتان في دنيا العرب ـ السياسية والاجتماعية والفكرية والنضالية ـ على امتداد أكثر من نصف قرن، ساهماً في تعويق مسيرة المجتمعات العربية نحو الديمقراطية والتنمية، كما فعلت مجتمعات بدأت في وضع أسوأ وحققت إنجازات تنموية وديمقراطية عجز العرب عن تحقيقها.

القضية الأولى (قضية فلسطين) شُغل العرب الشاغل على امتداد نصف قرن، استنزفت كل جهودهم ومواردهم، وسقط في سبيلها الآلاف من الضحايا، وسقطت عروش وأنظمة وحكومات في مسلسل الانقلابات العسكرية.

وسلّم العرب قيادهم للعسكر الذين باسم تحرير فلسطين، صادروا الحريات وانتهكوا الكرامات، وبددوا الثروات، وبسبب فلسطين قامت أحزاب وحركات قومية ودينية، وكم تغنى العرب بفلسطين ـ شعراء وكُتّاباً وفنانين!! وكم تاجروا بها!!

وعبر التاريخ كله ماضياً وحاضراً ـ إذا استثنينا المتاجرة بقميص عثمان الذي قصم ظهر المسلمين قديماً ـ لا توجد قضية تمت المتاجرة بها والمزايدة عليها كقضية فلسطين، تاجر بها العرب أولاً ثم أصحابها، وتاجرت بها الأنظمة الثورية التي ادّعت «التقدمية».

واتهمت عرب النظم التقليدية بالرجعية والتبعية، بهدف استدامة أوضاع البطش والقهر والتنكيل. وبشعارات (إزالة إسرائيل وتحرير فلسطين ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة ولاءات الخرطوم) الأربعة، فرّطوا في القضية واحتلت أراضيهم ومُنوا بالهزيمة الكبرى، ثم تاجر بها أصحابها الثوار .

والذين كانت بداياتهم النضالية محل تقدير العالم الذي اعترف بهم، حتى إذا عادوا إلى وطنهم بعد تشرّد وتيه طويلين، عبر محطة (أوسلو 1993)، ليمارسوا السلطة ويفاوضوا وصولاً إلى الدولة المنشودة، أغرتهم السلطة فانشغلوا بالمغانم وتسابقوا في تملك الفاخر من المتاع، فتراكم الفساد وساءت الأوضاع، وتصاعدت معاناة الفلسطينيين.

وضعفت ثقتهم في حكومتهم، فانحازوا ل«حماس» ذات اليد النظيفة وقائدة الكفاح المسلح. يقول شاكر النابلسي (كان عرفات يزور المسؤولين ومعه شنطة الدولارات ينثرها عليهم نثر المعز لذهبه على الشعراء، وكان يرفض الانتخابات التشريعية بحجة الاحتلال، وقد ثبت اليوم أن الاحتلال هو الضمان لانتخابات نزيهة سواء في فلسطين أو العراق).

القضية الفلسطينية اليوم في مفترق طرق، إما أن تتحرر (حماس) من أسر الأيديولوجية وتنحاز (للسلام) فتحترم الاتفاقيات وتؤثّق علاقاتها مع كتلة (الاعتدال العربي)، وتتناغم أو تتفاهم مع مطالب المجتمع الدولي، وفي هذه الحالة تكسب القضية دعماً دولياً وتخطو خطوات للأمام.

وإما أن تختار حماس لغة (الكفاح المسلح)، وفي هذه الحالة، تزداد معاناة الفلسطينيين ويتعرضون لإجراءات عقابية متصاعدة من إسرائيل قد تنتهي باجتياح الأراضي الفلسطينية، وإغلاق المعابر.

وستوضع قضية (السلام) في الثلاجة، ولتعود القضية إلى نقطة الصفر وتضيع كل الجهود التي حققها الفلسطينيون في مسيرة كفاحهم وسيعيشون عزلة دولية.

لقد كان الأمل في انفراج القضية بخاصة بعد انسحاب إسرائيل من غزة، وتفكك (ليكود) وزيادة الضغط الدولي على إسرائيل، وكان العالم يترقب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أملاً في تخفيف معاناة الفلسطينيين الممتدة منذ (58) عاماً.

وفي تحقيق الدولة الفلسطينية. لقد كنا نأمل في وقف هدر الأموال والطاقات لتلتفت الدول العربية إلى تنمية الإنسان العربي وتنمية مجتمعه كسائر شعوب الأرض، ولكن الظواهر تشير إلى إلى أننا سنعود إلى (خنادقنا) من جديد.

أما القضية الأخرى الحاكمة لثقافة العرب فهي قضية (المؤامرة العالمية) أو (المؤامرة الغربية) وبعبارة أدق (المؤامرة اليهودية) على العرب والمسلمين.

وهي قضية لها امتداداتها التاريخية منذ القرن الأول الهجري، حين حصلت (الفتنة الكبرى) التي قصمت ظهر المسلمين إذ فسّرت العقلية العربية بأن ذلك من تدبير عبدالله بن سبأ اليهودي، وترسّخت القضية في العقلية والنفسية العربية بالمرحلة الاستعمارية وتجزئة العالم العربي وتقسيمه وزرع إسرائيل.

قضية (المؤامرة) هي الصخرة الصلبة التي قامت عليها كل أدبيات وطروحات الإسلام السياسي بدءًا بحركة (الإخوان) منذ تأسيسها عام (1928) إذ كان الهدف الأساسي، استعادة (الخلافة الإسلامية) التي أسقطها (أتاتورك) لمواجهة (المؤامرة الغربية) التي تستهدف ـ دائماً ـ المسلمين.

وليس عن طريق (القوة العسكرية) وحدها، ولكن عن طريق أخطر هو (الغزو الفكري). آلاف المؤلفات لجماعات الإسلام السياسي وبخاصة (الإخوان) لا تتحدث إلا عن همّ الغرب في تصدير ثقافته وقيمه ونظمه وتشريعاته إلى العرب والمسلمين بهدف (تغريب) المسلم.

وسلخه عن (دينه) و(هويته) ليصبح تابعاً لهم، ويساعد في تحقيق هذا التغريب (المثقفون) العلمانيون ـ عملاء الغرب ـ وأيضاً (الأنظمة) التي تدين بالتبعية للغرب بحكم مصالحها الاقتصادية، ولعل كتاب (حصوننا مهددة من الداخل) خير نموذج معبر عن تلك الهواجس التآمرية، وهو كتاب سابق لكتب جماعات الإسلام السياسي وأدبيات الإخوان تأثرت به.

خذ أي كتاب في المكتبة العربية حول علاقتنا بالغرب، تجد (الهاجس) التآمري هو المحور الذي يدور حوله. الهاجس التآمري هو الذي يحكم كل النتاج الفكري للإخوان ولغيرهم من الحركات القومية، وقضية (المؤامرة) ليست حاكمة لثقافتنا القومية والدينية فحسب، بل تفسر بها كل النكبات والمآسي العربية.

وكما تسلمت الحركات القومية مقاليد السلطة باسم الدفاع عن فلسطين في مواجهة إسرائيل، كذلك تسلمت جماعات الإسلام السياسي زمام التوجيه والتعليم والتربية والثقافة الإسلامية باسم الدفاع عن (الهوية) و(الثقافة) و(الدين) في مواجهة الغزو الثقافي والتبشيري الغربي.

وهكذا تمت عسكرة مناهج التعليم والتربية وعلاقتنا بالعالم على يد الإسلام السياسي، كما تم عسكرة نظمنا السياسية على يد القوميين (50) سنة.

والفكر الإرهابي الذي ابتلي به المجتمع العربي وكان أبرز تجلياته كارثة سبتمبر، لم يكن ليظهر ويتصاعد ويقوى لولا الإيمان الراسخ بقضية (المؤامرة) والتي تم حقن الأرض العربية بها على امتداد أجيال و(بن لادن) لم يكن ليكسب التعاطف الشعبي لولا قناعة الشارع بالتآمر الغربي.

ومن المفارقات أنه في الوقت الذي تنشط فيه مفاوضات التجارة الحرة بين دول الخليج وأوروبا وتسعى دولنا لجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية، يتسيّد دعاة المقاطعة الساحة الجماهيرية، ويقودوا المسيرات مطالبين بالمقاطعة الشاملة لأننا في معركة (عقيدة) ولا يهم الخسائر الاقتصادية وبوسعنا أن نعيش على (التمر واللبن) بل ويزايد البعض فيقول:

«يجب أن تكون المقاطعة لأميركا لأنها زعيمة الامتهان للإسلام» بالرغم من أن الإعلام الأميركي هو الوحيد الذي امتنع عن إعادة نشر الرسوم، كما يقول النابلسي.

هيهات لمن ذاق طعم العز والرخاء أن يكتفي بالتمر واللبن ولكن ليست هذه هي القضية. القضية أن جهود خمس سنوات بعد سبتمبر لبناء جسور التواصل وتصحيح صورة الإسلام كلها ضاعت في لحظة منفلت وعدنا إلى نقطة الصفر من جديد.

كاتب قطري