منذ أن انطلقت من فم الرئيس الأميركي بوش الابن «زلة اللسان» الشهيرة التي أعلن فيها «الحرب الصليبية المقدسة» على ما أسماه الإرهاب.. نبهنا مع غيرنا إلى الخطورة البالغة لذلك، وأدركنا أن جهوداً هائلة لابد أن تبذل من كل الأطراف حتى لا يساق العالم إلى كارثة رهيبة تحت شعارات دينية زائفة.
صحيح أن الإدارة الأميركية حاولت تحسين ما قاله الرئيس الأميركي، وصحيح أن «زلة اللسان» الشهيرة قيلت في المناخ الهستيري بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن الصحيح أيضا أن الأمر كان أبعد من ذلك.
وأن 11 سبتمبر كانت هي المناسبة لكي تتبنى الإدارة الأميركية سياسة المواجهة التي أعد لها التحالف بين اليمين الجديد المحافظ والصهيونية المسيحية، ذلك التحالف الذي بدأ في دخول الحلبة السياسية الأميركية منذ ربع قرن مع مجيء الرئيس الأميركي الأسبق ريجان، ثم توقفت مسيرته الصاعدة مؤقتاً مع مجيء الرئيس الأميركي كلينتون.
ليستعيد بعد ذلك زمام المبادرة مع رئيس أميركي من صناعته الخالصة هو الرئيس الحالي الذي جاء ليتبنى كل منطلقات هذا التحالف المهووس بالقوة والذي يريد ترجمة التفوق الأميركي العسكري والاقتصادي (خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) إلى سيطرة كاملة على مقدرات العالم.
وينطلق من أن إخضاع العالمين العربي والإسلامي والسيطرة على ثرواتهما البترولية هو خطوة أساسية على هذا الطريق الذي لابد أن تتلوه خطوة أخرى بالمواجهة مع التحدي الصيني في مرحلة مقبلة.
كانت خطورة «زلة اللسان» الشهيرة أنها لم تأت من فراغ، وإنما سبقتها أفكار طرحت على مدى سنوات، ودراسات تبنتها مراكز أبحاث كبيرة ترسخ هذه الأفكار اليمينية، وملايين المتعصبين التي تتبنى أفكار المسيحية الصهيونية.
و«أجندة» جاهزة تبدأ بغزو العراق، ولا تنتهي إلا بإعادة رسم خريطة ما سمي بالشرق الأوسط الموسع أو الكبير والذي يضم الدول العربية والإسلامية بهدف اخضاعه لهذه «الرؤية» المهووسة بالقوة والعنصرية.
وكان 11 سبتمبر هو المناسبة لوضع كل هذه المخططات المسبقة موضع التنفيذ. وكانت الكارثة أن التيار اليميني الصهيوني انطلق في حملة دعائية واسعة استغل فيها الحدث لتجنيد الغرب كله.
وبدلاً من أن تكون المواجهة مع القاعدة التي ارتكبت الجريمة، أرادوا تحويلها إلى مواجهة مع العروبة والإسلام لكي يبرروا بعد ذلك مخططاتهم في العراق وباقي المنطقة.
ورغم المعارضة التي أبدتها أوروبا لهذه المخططات سواء على مستوى الشعوب أو على مستوى بعض الحكومات بقيادة فرنسا وألمانيا، فإن المخططات لم تتوقف خاصة في ظل أزمة اقتصادية وارتفاع في مستويات البطالة في دول أوروبا ترافقت مع دعوات عنصرية للخلاص من الجاليات العربية والمسلمة وتحميلها مسؤولية هذه الأوضاع.
وفي ظل هذه الحملة المنظمة جرى الربط بين «الإرهاب» وبين «الإسلام»، وتم تقديم صورة كئيبة للمسلمين على أنهم جيوش من الإرهابيين، وتم «تسويق» ابن لادن على أنه الممثل الشرعي للمسلمين والعرب.
وعندما مل الناس من الأمر جرى تصنيع «الزرقاوي» ليقوم بالدور نفسه، ولتظل صورة المسلم ملتصقة بالإرهاب، والمصيبة أن الإعلام العربي والفضائيات العربية ساهمت في نقل الصورة، وساعدت في تقديم هذه النماذج على أنها ممثلة للإسلام والمسلمين.. سواء عن جهل أو عن عمد، أو عن الاثنين معاً!!
وفي مواجهة ذلك كان العرب والمسلمون يوضعون في مواقف الدفاع، ويفقدون القدرة على المواجهة.. الحكومات كانت تواجه الضغوط المزدوجة، من الداخل كانت الشعوب تطالب بحرياتها، ومن الخارج كانت واشنطن تتخذ الديمقراطية وسيلة لإعادة صياغة المنطقة وفقاً لتصوراتها.
أما الشعوب فكانت ضحية الجميع.. أنظمة حكم تقدم التنازلات للخارج مقابل تأجيل فواتير الإصلاح، وضغوط خارجية لا تستهدف فقط مخطط السيطرة السياسية والاقتصادية.. وإنما تريد انهاء الهوية العربية من أساسها، وصورة يجري تعميمها على أن التخلف والتعصب والتطرف هي السمات الثابتة لهذه الشعوب.
هذا هو المناخ الموبوء الذي جرت فيه جريمة الإساءة لسيد الخلق وخاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام. هذه الجريمة التي فجرت بركان الغضب في صدور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. والجريمة بشعة في وقاحتها، والغضب طبيعي، والاعتذار مطلوب، والمقاطعة لكل من أساء فريضة واجبة..
ولكن ذلك كله ينبغي أن يضعنا وجهاً لوجه أمام القضية بكامل جوانبها، وأن يطرح علينا الأسئلة التي تجاهلناها طويلا : ما الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه؟ وكيف أمكن زرع هذه الصورة الكريهة للمسلمين في أذهان الملايين في الغرب؟
وإذا كان هناك في الغرب (وعندنا أيضا) من دفع نحو صدام ديني مدمر.. فكيف نتجنب ذلك؟ وكيف نصحح الصورة لدى شعوب وقفت بجانبنا في معارك كثيرة وعارضت سياسات حكوماتها المعادية لنا؟
أنه وقت التساؤلات المريرة التي ينبغي أن نطرحها على أنفسنا، والتي ينبغي أن نبحث عن إجاباتها الصحيحة دون أن نضع الوزر كله على الآخرين، ونظل راضين بدور الضحية.
إن تآمر العصابة اليمينية الأميركية واضح ومستمر، وحملة الكراهية ضد الإسلام والمسلمين ليست وليدة اليوم، والجريمة الدنماركية سبقتها جرائم كثيرة معظمها في أميركا وبعضها في أوروبا ومع ذلك بقينا قابعين في دوائر العجز عن فعل شيء.
ولم يكن المطلوب ـ ولن يكون أبداً ـ هو حرق السفارات أو التهديد بالقتل أو إصدار الفتاوى بإهدار الدم، وإنما المطلوب فعل عاقل يواجه الإساءة ويطلب الاعتذار، ثم يمضي إلى المهمة الأصعب.
وهي المواجهة الشاملة لحملة الكراهية والعداء التي تم زرعها ضد الإسلام والمسلمين من جانب اللوبي الصهيوني المعادي للعرب والذي يرهن سياسة أميركا لمصلحة إسرائيل.
ونحن نملك الكثير من الأسلحة في هذه المعركة الشاملة..
ونملك المال والبترول، ونملك الأسواق التي يتصارعون عليها والموقع الاستراتيجي، وقبل كل ذلك البشر القادرين على تحقيق النهضة، ولكننا أكثر شعوب الأرض في تبديد «قوتنا»، وفي البقاء في دائرة العجز والتخلف دون إرادة حقيقية في تحقيق النهضة التي نملك أدواتها.
ونحن نملك ديناً هو رسالة للسماحة والاعتدال، ودعوة للحرية وكرامة الإنسان، وثورة أعلت العقل وقدمت للبشرية أعظم الاسهامات التي كانت أساس الحضارة الإنسانية التي تطورت في الغرب وتوقفت عندنا، ومع ذلك فإننا نسمح بأن تكون الصورة عنا هي ما يمثله تنظيم القاعدة وأمثاله.
وبأن تكون خير ابداعاتنا هي هذه الفتاوى التي يتسابق عليها الدخلاء في الفضائيات والتي لا تعكس إلا الجهل والجمود والاستهتار بالعقل واحتقار العلم.
هذه لحظة للمراجعة، فالمعركة شاملة وطويلة، ونحن قادرون على حسمها إذا خرجنا من دائرة العجز وانطلقنا في طريق الإصلاح والتجديد، ومددنا أيدينا إلى الرافضين في الغرب لسياسات اليمين المتعصب ودعاة الكراهية وما أكثرهم شعوباً ورجال دين وسياسة وإعلام.
و.. يا رسول الله عفوك، فعجزنا هو الذي سمح للآخرين بارتكاب الحماقات!
نقيب الصحافيين المصريين