دافع الدكتور لام أكول وزير الخارجية السوداني بقوة أمام المجلس الوطني في نهاية الأسبوع الماضي عن إبقاء قوات حفظ السلام في دارفور بيد الاتحاد الإفريقي ورفض مجيء قوات دولية بدلاً عنها، وذلك لأن انتقال تلك القوات إلى الأمم المتحدة يعنى فشل الاتحاد الإفريقي في مهمته.

ولأن القوات الإفريقية رغم بعض السلبيات في عملها إلا أنها أدت دوراً ايجابيا فقد ظلت تعزز مواقعها وتزيد أعدادها في الميدان بصورة مستمرة، وأنها أسهمت في عودة بعض النازحين وقللت من الاعتداء على المدنيين وعلى الفوضى في معسكرات النازحين، وأنشأت قنوات تواصل مع الأجهزة الحكومية.

ومع زعماء القبائل، وساعدت في حراسة بعض المتحركات وإيصال الإغاثة ودعم الأنشطة الإنسانية، وأثبتت التجربة سهولة التعامل مع العنصر الإفريقي دون مساس بالسيادة السودانية.

وقد أشادت بعثة التقويم التي كونها الاتحاد الإفريقي في ديسمبر 2005م وضمت ممثلين للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمانحين الآخرين، أشادت بأداء قوات الاتحاد الإفريقي في تحسين الوضع الإنساني وحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار بعودة بعض النازحين.

وقالت إن ما ينقصها هو المال الكافي لتغطية الاحتياجات اللوجستية. كما أن وجود قوات أجنبية من خارج القارة قد يؤدى إلى احتكاكات مع السكان المحليين (حدث ذلك في مواقع أخرى مثل أفغانستان والعراق)، وسيؤدى إلى تعنت حركات التمرد في أبوجا ورفع سقف مطالباتها وشروطها.

لا يعنى حديث لام أكول أن الحركة الشعبية مجمعة على هذا الموقف فقد صرح الدكتور رياك مشار، الرجل الثاني في حكومة الجنوب وفى الحركة الشعبية، بعد يوم واحد من خطاب لام أكول بأن على الحكومة أن تقبل بإحلال قوات دولية مكان القوات الإفريقية.

وكرر دون مناسبة انتقادات الحركة للمؤتمر الوطني بتلكئه في إنفاذ اتفاقية السلام وعدم اعترافه بتقرير لجنة خبراء أبيى وغياب الشفافية في حسابات البترول. وتحفظت أصوات من أعضاء الحركة داخل المجلس الوطني على «مواجهة المجتمع الدولي» برفض قرارات صادرة من الأمم المتحدة.

ومن الناحية الأخرى فان الدول الكبرى تدافع عن تحويل قوات حفظ السلام في دارفور من الاتحاد الإفريقي إلى سلطة الأمم المتحدة بناءً على الأسباب التالية: ان الأوضاع في دارفور سيئة جدا وتدهورت عما كانت عليه في منتصف العام الماضي فقد هجّر قسرا مليونا شخص من مناطقهم.

وأن المدنيين ما زالوا يقتلون ويشردون، وقد فشلت قوات الاتحاد الإفريقي في حماية المدنيين ووقف جرائم الحرب وتأمين الطرق من النهب المسلح وتسهيل إيصال الإغاثة الإنسانية، كما أنها لا تملك من الأموال والآليات ما يمكنها من الاستمرار في أداء مهمتها والنجاح فيها. وفشلت الحكومة من جانبها في نزع سلاح المليشيات .

وفى تقديم المسؤولين عن جرائم الحرب إلى محاكمة عادلة وفى الوصول إلى تسوية سياسية مع حركات التمرد في مفاوضات أبوجا. وأن صبر المجتمع الدولى كاد ينفد من استمرار الأوضاع على هذه الحالة ولا بد من عمل شئٍ ما!

وتتعرض الدول الغربية نفسها إلى ضغوط شعبية في اتجاه إنهاء العنف في دارفور. ويظهر ذلك جليا في أميركا قبيل انتخابات الكونغرس المقبلة في نوفمبر من هذه السنة، فقد احتشد «تحالف إنقاذ دارفور» الذي يضم 150 جماعة دينية وانسانية ومدنية ليزور 22 مدينة أميركية يلقى فيها الخطب ويخاطب وسائل الإعلام .

ويعبئ الرأي العام للضغط على إدارة الرئيس بوش للتحرك في قضية دارفور. وبدأت واشنطن تحركها بالفعل حين قام مندوبها في الأمم المتحدة، والذي يترأس مجلس الأمن لهذا الشهر، بإصدار بيان رئاسي أيده مجلس الأمن يطلب من الأمين العام وضع خطة لنقل مهمة حفظ السلام في دارفور من الاتحاد الإفريقي إلى الأمم المتحدة، وكثف الرئيس بوش ضغوطه على حلف الناتو ليشارك بقوات في دارفور.

ويقف بجانب أميركا في تسليم مهمة حفظ السلام إلى الأمم المتحدة كل من الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة بل والاتحاد الإفريقي نفسه الذي كتب إلى الأمين العام يدعوه لتسلم المهمة الصعبة! وتوالت الضغوط على حكومة السودان بقبول قوات للأمم المتحدة في دارفور.

والسؤال هو: هل تستطيع حكومة السودان مواجهة هذه الضغوط المكثفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وترفض استقبال قوات الأمم المتحدة في دارفور؟ وكيف تفعل ذلك وليس وراءها جبهة داخلية متماسكة حتى من قبل شريكها الأول داخل حكومة الوحدة الوطنية؟

وإذا بدأت بالرفض لمجيء القوات الدولية، كما ظهر حتى الآن من خطاب وزير الخارجية وتصريح نائبي رئيس الجمهورية لوزير التعاون البريطاني وقرار البرلمان، فهل ستصمد على هذا الرفض حتى النهاية ولو صدر بذلك قرار من مجلس الأمن؟ وماذا ستكون النتيجة إذا أصرت الحكومة على موقفها المتشدد إزاء القوات الدولية؟

وقد يسأل الناس لو كان وجود القوات الدولية يمس السيادة الوطنية فلماذا قبلت به الحكومة في اتفاقية وقف إطلاق النار في جبال النوبة؟ ولماذا قبلت به في اتفاقية السلام (10 آلاف عسكري وأكثر من 700 رجل شرطة) لمراقبة إعادة توزيع القوات المسلحة والجيش الشعبي في الجنوب؟

ان أسوأ قرار تتخذه الحكومة هو الرفض الانفعالي لوجود القوات الدولية ثم إذا ما اشتد الوطيس تتراجع الحكومة عن موقفها بعد أن تكون قد فقدت كل هامش للحركة والمناورة!

لقد ظل منهج الحكومة في السنوات الماضية هو عدم التفاوض الجاد الا مع حملة السلاح، وأن لا تقدم تنازلا في مجال المشاركة في السلطة أو مجال التحول الديمقراطي إلا تحت ضغوط عسكرية أو دولية.

وأنها ليست حريصة البتة على تحقيق إجماع وطني يفقدها بعض مكتسباتها السلطوية، وهى لا تذكر استدعاء القوى الوطنية الأخرى إلا حين يحاط بها من قبل المجتمع الدولي.

وأصبحت سمعتها داخليا وخارجيا أنها تستجيب فقط للمطالب السياسية حين تتعرض لضغوط تهدد بقاءها في السلطة! ومن الأفضل للحكومة أن تدرس جيدا قرارها النهائي بالنسبة لمجيء القوات الدولية، وهو أمر لا ينبغي أن يحبذه وطني غيور، وتثبت على ذلك القرار. ولكن هيهات.. هيهات.

كاتب سوداني