متأثراً ـ فيما بدا لي ـ بالفقرة الإعلانية الشهيرة «أين تذهب هذا المساء؟» فاجأني صديقي بالسؤال: «أين تذهب غداً؟». أجبته بعدم وجود برنامج محدد لدي حتى الآن فنصحني بملازمة المنزل والمكوث أمام التلفزيون لمتابعة فصل جديد من مسرحية «محاكمة صدام» التي أطلق عليها البعض قبل أن تبدأ «محاكمة العصر» فإذا بها تتحول إلى مهزلة من مهازله. هذا إذا لم يجدّ جديد فيتقرر تأجيل الجلسة.

نظرت إلى صديقي الذي لم أعهده بعثيا قبل اليوم، بل لم ألحظ عليه في أي يوم من الأيام انتماءً حزبياً من أي نوع، فبادرني مبدداً الشكوك التي أدرك أنها تراودني وتلقي بظلال من الاتهام والشك حوله:

لست متعاطفاً مع صدام، ولم أكن يوما معجبا به، حتى في قمة تنامي شعبيته بين بعض الشعوب العربية، يوم أن أطلق عليه البعض «حارس البوابة الشرقية» لم أشعر حينها بأنه ذلك البطل المخلّص الذي حاول إعلامه الداخلي والخارجي تصويره لنا، لكن ما شاهدناه حتى الآن على مدى اثنتي عشرة حلقة، أقصد جلسة من «محاكمة العصر» المزعومة يجعلنا ندعو إلى وقف هذه الملهاة المطلة علينا.

وسط المأساة التي يعيشها الشعب العراقي، كأني به لم تكفه كل المآسي التي عاشها على يد البعث عبر كل تلك السنين، وهذه المآسي التي يعيشها الآن بعد زوال حكمه!

قلت لصاحبي الذي تقمص دور المحلل السياسي رغم استخفافه بأغلب المحللين الذين تتحفنا بهم قنواتنا الفضائية في كل المجالات ممن لا يفقهون شيئا في أي مجال: ولكن هذه المحاكمة ليست بدعة.

ألم تسمع بمحاكمات نورمبرج التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية لمقاضاة قادة ألمانيا عن أعمالهم العدوانية أثناء الحرب. تلك المحاكمات التي استمرت من عام 1945 وحتى عام 1949 في مدينة نورمبرج بألمانيا حيث كان الحزب النازي ينظم اجتماعاته بقيادة هتلر؟

قال صاحبي الذي لم يفقد هدوءه بعد: وهل ترى أن المقارنة بين المحاكمتين عادلة؟ في محاكمات نورمبرج حيث واجه القادة النازيون تهما بارتكاب أعمال وحشية وجرائم حرب كانت الأمور أكثر انضباطا.

وخُصّص لها ثمانية قضاة من الدول المنتصرة في الحرب، موزّعين بالتساوي على كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي «سابقا». وقد أكدت تلك المحاكمات أن الجنود والمواطنين عليهم واجب أخلاقي هو عدم إطاعة الأوامر أو القوانين غير الإنسانية.

قلت لصاحبي ملتزما الهدوء الذي لا يقترن لدينا عادة بمثل هذا النوع من الحوارات كما عودتنا فضائياتنا العربية العتيدة: وهل ترى هذه المحاكمة قد خرجت عن سياق محاكمات الحرب، وهي التي شُكلت على أساس أنها محكمة جرائم حرب؟

قال صاحبي الذي بدا لي أنه مستمتع بالحوار: إذا كانت المحكمة التي تعاقب عليها رئيسان حتى الآن لم تستطع على مدى اثنتي عشرة جلسة أن تثبت على المتهمين جريمة واحدة قتل فيها 148 عراقيا من سكان بلدة الدجيل، فكيف ستستطيع إدانة صدام بالتسبب في قتل أكثر من مليون عراقي وإيراني في حرب السنوات الثماني التي أشعلها مع إيران عندما ألغى «اتفاقية الجزائر» التي وقعها بيده مع شاه إيران عام 1975.

وكيف ستستطيع إدانته في غزو الكويت الذي تسبب في شق صف الأمة العربية وتعريض العراق للخراب والدمار والحصار أكثر من عشر سنوات؟!

قلت لصاحبي: لقد استمرت محاكمات نورمبرج أربع سنوات، حاكمت في السنة الأولى منها عشرين متهما، أتبعتهم بمئة وخمسة وثمانين آخرين في السنوات الثلاث التالية، فما المانع لو استغرقت هذه المحاكمة سنتين أو ثلاثا وهي تحاكم نظاما كاملا ارتكب كل هذه الجرائم كما تقول؟

قال صاحبي الذي بدا لي أنه أخذ يفقد صبره الذي تحلى به منذ بداية الحوار: كان يمكن لهذه المحاكمة أن تكون مثالية لو أنها جرت في ظروف أفضل من هذه التي تجرى فيها، أو أنها حافظت على الحد الأدنى من الجدية والاحترام .

ولم ينجح المتهمون في نزع وقارها وتحويلها إلى مجموعة من المواقف الهزلية يعجزعن تأليفها أمهر كتاب الدراما، ولو لم يساعد القضاة على ذلك بالتساهل حينا إلى الحد الذي اعتبره البعض ضعفا، و التشدد حينا إلى الحد الذي اعتبره البعض تعسفا.

فهذا برزان التكريتي الأخ غير الشقيق لصدام يحضر المحاكمة بملابسه الداخلية استخفافا بها، ويقول لرئيس المحكمة: أنت حاقد، لا أنت رؤوف ولا رحوم. وعندما يقول له القاضي بعد أن كثرت تدخلاته: موقوف وأنت على هذا العنفوان والشدة!

يجيبه صدام مبتسما: هذا اسمه برزان! ثم عندما يتهمه القاضي بأنه أخذ أكثر من ربع وقت المحكمة يرد برزان بأن مداخلات القاضي تستغرق وقتا أطول ولا تفيد في شيء! ويجيب القاضي عندما يسأله عن سبب عصبيته: أنت كفرتني! ويستدير بعد هذا كله معطيا ظهره لهيئة المحكمة احتجاجا عليها وتحديا لها أو احتقارا.

أما صدام فيصف القاضي الحالي رؤوف عبد الرحمن بأنه «أكبر خائن» ويقول عن القاضي السابق رزكار أمين إنه «وطني». وعندما يقول له القاضي إنه ليس من حقه التدخل يرد عليه: «وأنت ليس من حقك أن تكون في هذا المكان».

ثم يُسمِع كل من في القاعة وهو يقول «لعنة الله عليك» فيما كان أحد أعضاء فريق الدفاع يتوجه بسؤال للشاهد عما وصفه بـ «محكمة الثورة سيئة الذكر» فيحتج رئيسها الماثل في قفص الاتهام عواد البندر على هذا الوصف ليستجيب القاضي لاحتجاجه ويأمر بشطب العبارة.

أحمد خضر السامرائي الذي كان يشغل منصب رئيس ديوان الرئاسة في عهد صدام ويعتبره الادعاء شاهدا، يقول إنه تم جلبه إلى قاعة المحكمة بالقوة ويرفض أن يكون شاهدا،.

ويصر على وصف صدام بالسيد الرئيس متجاهلا تصحيح رئيس الإدعاء له «تعني المتهم صدام حسين».وكذلك يفعل حسن العبيدي الذي قدم نفسه على أنه مديرفي جهاز الاستخبارات، وهو موقوف تم جلبه بالقوة أيضا كما يقول.

وتختتم مشاهد الجلسة الثانية عشرة بقول العبيدي إنه سمع أن جعفر الموسوي ( رئيس فريق الادعاء) كان يعمل في جهاز الاستخبارات العراقي في عهد صدام، فينفي الموسوي ذلك ليعتذر العبيدي ويقبل الموسوي اعتذاره، إلا أن برزان نجم المحاكمة بلا منازع ينبري ليقول:

ليس هناك مشكلة، فهو يعمل في الاستخبارات على أي حال. إنه يعمل في الـ «سي آي ايه» (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية)! فهل رأيت بالله عليك محاكمة أكثر هزلية وطرافة من هذه؟

يتوقف صاحبي عن الحديث متطلعا إلى ردة فعلي فلا أجد ما أقوله سوى أنها مسرحية هزلية تستحق المشاهدة فعلا، لكنها تستحق الرثاء أكثر، ليس لصدام وزمرته.

ولكن لهذه الأمة التي ما زال بين أبنائها من يتعاطف مع الطغاة الذين أوصلونا إلى هذه الحال وينبري للدفاع عنهم، حتى تساوى من يجلس داخل أقفاص الاتهام ومن يقف خارجها، فهل رأيتم أمة تستحق الرثاء أكثر من أمتنا هذه؟

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com