الاجتماع الذي عقد بين قيادات شيعية وسنية عراقية وتمخض عن توافق حول نقاط عدة وإجراءات لتهدئة الوضع المتفجر، لقي الاستحسان والترحيب؛ على الرغم من إنجازاته المتواضعة.

نعم لم يقطع دابر العنف والأعمال الانتقامية. لكنه ساعد في تخفيف درجته والحد من انتشاره. على الأقل كان صرخة للصحوة. كان دعوة للقدوة بأنه إذا كان بإمكان القيادات أن تلتقي وتتفاهم وتتسامح؛ فبإمكان الناس أيضاً أن تفعل المثل.

وفي كل حال هو خطوة أولى في طريق محاصرة النار ومنعها من التمدد. ولكي يأتي ثماره، لا بد أن تتبعه لقاءات أخرى وتوسيع دائرة اللقاءات والمعالجات.

لكن كي لا تبقى الاتفاقات حبراً على ورق، يتبخر عند أول هبوب للرياح، لا بد من ترجمتها إلى صيغ سياسية مؤسساتية؛ تعيد الطمأنينة للنفوس والهدوء للأعصاب. وقبل كل شيء تكون قادرة على إقامة دولة القانون وفرض هيبته. فالصراع الدائر، في لبه، سياسي. والمعالجة تبدأ في الأصل.

مسارعة المرجعيات الدينية إلى التلاقي، بعد الانفجار الذي وقع في سامراء، يوم الخميس، وما تبعه من ردود فعل؛ والذي كان يمكن أن يتحول إلى عاصفة مدمرة؛ كانت استجابة لضرورات اللحظة. مبادرة صبت الماء البارد، أو على الأقل الفاتر، على الوضع.

إدانة اللقاء «لجميع الأعمال التخريبية التي استهدفت بيوت الله وإدانة استهداف المسلمين بالقتل والترويع» كان بمثابة الخطاب المطلوب أن يسمعه كل العراقيين.

كذلك كانت مسارعة القادة السياسيين للتشاور بشأن الأزمة وبموضوع تشكيل الحكومة؛ خطوة في محلها خاصة انها حصلت بحضور ومشاركة أطراف كانت قد قاطعت البحث في مفاوضات تأليف الحكومة؛ وان هذه الجهات أعربت عن ارتياحها للإجراءات التي اتخذت باعتبارها «مؤشرات إيجابية».

جميع هذه المبادرات والدعوات الطيبة أدت إلى تبريد الأجواء ووقف تدحرج كرة الثلج. لكن المطلوب أكثر وأبعد. فالكرة ما زالت على السفح. وما جرى لا يتعدى التدابير الأولية، التي تعاطت مع النتيجة وليس السبب. تعاطت مع اللازم لوقف إطلاق النار وليس لإزالته. إذا بقي في هذه الحدود فهو محكوم بإعادة إنتاج دورة العنف ذاتها.

والتجربة اللبنانية، في بداية الحرب الأهلية، تقدم شهادة ثابتة في هذا المضمار. يومذاك عشرات الاتفاقات لوقف إطلاق النار، انهارت تباعاً ولم تصمد أمام الواقع الذي كان ـ كالوضع العراقي اليوم وإلى حدّ بعيد ـ محشواً بعوامل تفريخ الانفجارات المتصاعدة، التي أدت إلى ما هو معروف.

وإذا كان في تنادي القيادات العراقية، على اختلاف تلاوينها، ما يحمل على التفاؤل ولو بحذر؛ فإن المواقف التي اتخذتها جهات ومرجعيات عربية إسلامية والاستعداد الذي أعربت عنه للقيام بمسعى خير بين الأطراف العراقية؛ هو تطور يشجع على الميل لترجيح كفة التفاؤل.

لكن لا يخفى على أحد أن مثل هذه المبادرات تبقى مكملة وليست أساسية. الأساس بيد العراقيين وحدهم. والرجوع عن حافة الهاوية هو قرارهم؛ كما أن سلوك طريق الوحدة الوطنية لا يتحقق إلا باختيارهم.