بعيد جولة رايس السريعة والمثيرة للشكوك على بعض دول المنطقة بات الوضع مرشحاً إلى المزيد من التصعيد، خاصة في لبنان والأراضي الفلسطينية، كما هي الحال دائماً في مثل هذه الزيارات للمسؤولين الأميركيين إلى المنطقة.
وما يؤكد هذه التوقعات أن الموضوعات التي حملتها الوزيرة الأميركية في حقيبتها، وسُرّب بعض منها عبر وسائل الإعلام، هي في الأساس تصعيدية ومفصلة على مقياس إسرائيلي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن برنامج الزيارة وبعض اللقاءات كانت استفزازاً بشكل واضح، وقد تم تداول هذا الاستفزاز المعلن بشكل واسع خاصة في لبنان، حيث قدمت رايس نفسها واعظة وصاحبة كلمة فصل في الشأن اللبناني.
وزيرة الدبلوماسية الأميركية تريد من دول المنطقة أن تشن حرب تجويع وحصار على حركة حماس، ومن ثم على مجمل الشعب الفلسطيني، وفقاً لبرنامج إسرائيلي اتخذ واعتمد سياسة رسمية في أعقاب فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وقد أعلنت عن ذلك مباشرة، وقالت: إن إدارتها لن تتعاون مع حماس، وستقطع المساعدات التي كانت تقدم للسلطة الفلسطينية حتى تعترف الحركة بـ«إسرائيل» وتوقف «الإرهاب».
في ضوء هذه المطالب الأميركية التعجيزية والتي تتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني وتضر بقضيته الوطنية، هل تتوقع الوزيرة رايس وغيرها من المسؤولين الأميركيين أن أحداً في المنطقة مقتنع بأن «إسرائيل»، لا تمارس الإرهاب من أوسع أبوابه؟ وهل تتوقع أن أهل المنطقة لا يدركون حقيقة الانحياز الأميركي المطلق لـ«إسرائيل»؟ إذا كانت تتوقع ذلك فالمشكلة عندها، رغم يقيننا أنها تعرف كل ذلك ولكنها تريد فرض هذا الانحياز الأميركي على الآخرين بالقوة.
وفي بيروت كانت رايس واضحة في تجسيد العنجهية الأميركية، عبر تصريحات ولقاءات كان الهدف منها مفاقمة الوضع اللبناني، من خلال دفع الفريق الأميركي في لبنان وبالتحديد فريق «14 آذار» للتصعيد باتجاه الرئاسة اللبنانية، والمقاومة الوطنية، والفئات الأوسع من اللبنانيين، وسورية كذلك، متجاهلة حقيقة التركيبة اللبنانية الفريدة من نوعها، ومباركة لزعماء الحرب الأهلية ورموز الفتنة هيجانهم، وفحيحهم، وابتساماتهم الصفراء، ما دفع مراقبي الساحة اللبنانية للجزم بخطورة ما حملته رايس إلى لبنان، ما دام فريقها فيه على هذه الشاكلة من الحقد، والأنانية، والتقلب في المواقف.
ما سبق يعني بالنسبة لأهل المنطقة أن الإدارة الأميركية تريد تحقيق انتصارات على حساب القضايا الفلسطينية واللبنانية بعد أن عجزت عن تحقيق ذلك في العراق، وأن لا مانع عندها من إراقة الدماء ما دام ذلك يلبي نزعات يمينها المتطرف، ويخدم المخططات الإسرائيلية.