الجميع في لبنان يتحدث بغلو وتعالٍٍ، بينما الوطن ينتظر المجهول، والمجهول لا يقل قساوة عما عاناه لبنان طيلة 15 عاماً هي فترة الحرب الأهلية التي امتدت من عام 1975 إلى عام 1989 من الناحية النظرية، فيما آثارها وامتداداتها تشق عمق المجتمع اللبناني لتضع هذا البلد من جديد على درب الآلام.

كانت فاجعة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مناسبة تجمع حولها اللبنانيون وساعدت وحدتهم في رسم علاقة جديدة مع سوريا التي استبقت قواتها في لبنان ما يقارب الثلاثة عقود.

أجمع اللبنانيون والعالم على ضرورة سحب القوات السورية، ونزولاً عند هذه الرغبة ورغبة المجتمع الدولي كان الانسحاب سريعاً، وتكونت في لبنان طبقة سياسية جديدة ساهمت بالانتخابات التشريعية التي جرت الصيف الماضي في بلورة مجلس نيابي استثنائي تتمتع به كتلة تيار المستقبل برئاسة النائب سعد الحريري بغالبية كبيرة، عند هذه الحدود كانت الكلمة الفصل للديمقراطية.

إلا أن النسيج اللبناني القائم على الطائفية لم يسمح لهذه الغالبية بحكم لبنان انطلاقاً من المفهوم العالمي للأكثرية، فابتدع مفهوم الديمقراطية التوافقية التي تأخذ بعين الاعتبار في اتخاذ القرارات العودة إلى المراجع الدينية وأيضاً العودة إلى الشارع الذي تشكل فيه الأقلية البرلمانية أغلبية عددية.

هذا التناقض بين المجلس النيابي الذي يعتبر ممثلاً لأطياف الشعب اللبناني، والشارع الذي يغلب صوت ضجيجه على ما نتج عنه، أوقع المسؤولين اللبنانيين في الحيرة، وولد لدى كل تيار الشعور بأنه يستطيع منع اتخاذ القرار الذي يمكن أن ينبثق عن هذه الأكثرية.

هذه الدوامة التي يعيشها لبنان والممتدة منذ 14 فبراير 2005 وحتى اليوم، أوصلت اللبنانيين إلى حالة من الجمود تمثلت في ركود اقتصادي مع تزايد في الدين العام، يؤسس إذا ما استمر إلى انفجار تتكرر معه مأساة الحرب السابقة.

المسؤولية الأولى لتلافي ما يحمله المستقبل تقع أولاً وأخيراً على الفعاليات السياسية اللبنانية، وقواها الفاعلة، فهي التي بيدها مفتاح الحل والربط، عبر الاحتكام إلى لغة العقل، والابتعاد عن سياسة الاستفزاز الشارعي، عبر الاحتكام إلى الدستور مما يقتضي نصائح من الأشقاء العرب عبر مبادرة تجمع ولا تفرق، والطلب إلى القوى الدولية الفاعلة عدم صب الزيت على نار المذهبية والطائفية.

فأماني وتطلعات اللبنانيين من جميع الفئات أكبر من أن تحلها زيارات عابرة لمسؤولين أجانب يضعون مصالح بلادهم أولاً، ولو سالت في شوارع لبنان شلالات الدم.