عمدت بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة إلى إلغاء وزارة الإعلام باعتبارها تمثل هيمنة على الإعلام ورقابة مسبقة على وسائل الإعلام تقمع حرية الرأي وترهب الصحافيين وترعب القراء والمشاهدين وتجعلهم لا يثقون في وسائل إعلامهم.
ولعل حملة العولمة ونشر الديمقراطية في العالم كانا السبب الأساس الذي دفع بعض الدول إلى إلغاء وزارة الإعلام خشية اتهامها بتقييد حرية الرأي واحتكار وسائل الإعلام.
لكن لو أعدنا فحص الوضع الإعلامي في الدول التي ترفع لواء حرية التعبير والليبرالية الإعلامية والديمقراطية السياسية لوجدنا أن حرية التعبير انتكست فيها خلال السنوات الأخيرة بل وتراجعت إلى ما يشبه وضع الإعلام في كثير من الأنظمة الشمولية التي اندثرت.
صحيح انه لا توجد وزارة إعلام أميركية لكن الإعلام الأميركي الرسمي شهد نموا كبيرا في السنوات الأخيرة بحيث تحولت وزارة الخارجية الأميركية إلى وزارة إعلام حقيقية تشتري وسائل إعلام في الخارج وتمول صحفا وتشتري أقلاما وظهرت شريحة كتاب المارينز في إشارة إلى الأقلام التي تروج للسياسة الأميركية.
ولعل ما كشف النقاب عنه أن نشر مقالات في صحف عراقية بأقلام ضباط لتحسين صورة الاحتلال جاء متأخرا لأن ثمة مقالات تنشرها الخارجية الأميركية والبنتاغون بأقلام غير أميركية اغلبها عربي في وسائل إعلام عربية سبقت ذلك.
وكانت الخارجية الأميركية اجتهدت في مجال الإعلام حتى صار بالإمكان وصفها بوزارة الإعلام والخارجية وعينت أكثر من مسؤول لتحسين الصورة الأميركية وفشلت إلى أن جاءت السيدة كارين هيوز ومهمتها الرئيسية اختراق الإعلام العربي بكل فئاته. إذا، ثمة وزارة إعلام أميركية نشأت بقوة ولها ميزانيات ضخمة تصرف داخل أميركا وخارجها.
وكانت إسرائيل ذات تجربة في هذا المجال حيث لا توجد لديها وزارة إعلام لكنها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا شكلت لجنة وزارية لتولي ملف الإعلام واستثمار المأساة الأميركية لصالح إسرائيل.
وبالتالي صارت الحكومة الإسرائيلية كلها وزارة إعلام بدلا من مكتب الصحافة الحكومي الذي يتولى لقاء الصحافيين والمراسلين وتوجيههم ونشر وجهة النظر الإسرائيلية أولا بأول واحتلال بعض الفضائيات العربية والأجنبية والترويج للسياسة الإسرائيلية.
وكانت النتيجة أن إسرائيل نجحت في إدخال مصطلحات جديدة في الإعلام العالمي لم تكن مستخدمة من قبل مثل وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والمقاومين بالإرهابيين بينما كانت في السابق تصفها بأعمال عنف وتخريب لكنها نجحت في استخدام تعبير الإرهاب الذي استخدم في وصف هجمات نيويورك ليشمل أعمال المقاومة الفلسطينية.
حدث ذلك عندما ألغت السلطة الفلسطينية وزارة الإعلام كنوع من التحضر وتقليد الغرب، فبينما كان الغرب يعيد الاعتبار إلى الإعلام الرسمي للدفاع عن مصالحه السياسية والاقتصادية بدأت دول عربية في إلغاء وزارة الإعلام خشية أن تتهم بالتخلف، وأجزم هنا أن أهم سبب لنجاح المملكة العربية السعودية في مواجهة الحملة الغربية المغرضة سواء في وسائل الإعلام المعادية.
أو على لسان مسؤولين أميركيين وأوروبيين كان طريقة استخدامها للإعلام السعودي ووسائل الإعلام السعودية التمويل من صحف وفضائيات في مواجهة هذه الحملة التي تلاشت لتحل محلها موجة إرهاب محلية لعب الإعلام السعودي دورا أساسيا في مواجهتها وكشفها.
فلو اعتمدت المملكة على الأسلوب القديم أي الدفع للصحف والصحافيين خارج حدودها لما نجحت في معركتها الإعلامية هذه. بل اعتمدت على وسائل إعلامها الرسمية والخاصة فقط.
أثناء زيارتي الأخيرة لدولة الإمارات لاحظت أن عدة صحف ووسائل إعلام أميركية شنت حملة شعواء على دولة الإمارات بعد صفقة موانئ دبي التي تشمل إدارة عدة موانئ أميركية. والملاحظ أن الصحف نشرت معلومات اتهامية واحدة أي أنها استقتها أو سربت إليها من مصدر.
واحد له مصلحة في إلغاء الصفقة فلو كانت الصفقة شراء أسهم هلامية في إحدى شركات «وول ستريت» لما انتفض احد ضدها ربما لأن مالها إلى خسارة أو أنها ستدار من وسطاء أميركيين أما وان الصفقة منتجة وتثير شهية منافسين محتملين فإن وأدها بات ضروريا لصالح طرف ثالث.
وهنا تساءلت من سيتولى الدفاع عن المصالح الاقتصادية للإمارات بعد إلغاء وزارة الإعلام؟ هل ستضطر موانئ دبي إلى ذلك بنشر توضيحات وإعلانات أم أن للشركة إعلام رسمي يحميها؟.
إن الإعلام لم يعد سلاحا للدفاع عن نظام سياسي بل بات يشمل الدفاع عن مصالح قومية ووطنية اقتصادية واجتماعية ودينية وهذا المفهوم الذي يحرك عملية دعم الإعلام في الغرب ويجعل قسم الإعلام من أولويات وزارة الخارجية في كل دولة ويحول السفراء إلى ناطقين إعلاميين ورجال علاقات عامة.
شخصيا أؤيد تفريغ وزارات الإعلام من محتواها القمعي والوصاية الداخلية على حرية الرأي والتعبير لكن يجب توجيهها نحو الدفاع عن مصالح وطنية. فإذا كان لا بد من إلغاء وزارة الإعلام لأنها متهمة بإعدام الإعلام يجب الإبقاء على الإعلام وإعدام الوزارة.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة»
فلسطين