«سجن أبو غريب كان أقبح رمز لنظام صدام حسين والآن صار أقبح رمز للاحتلال الأميركي». هذه هي الخلاصة النهائية لافتتاحية من صحيفة «هيرالد تريبيون» الأميركية تحت عنوان «عار السجون الأميركية».

وبإمكانك أن تتصور الرئيس السابق صدام حسين قابعاً الآن داخل معتقله الصغير في مكان ما قرب مبنى سجن أبو غريب وهو يضرب كفاً بكف مستعجباً مما يجري حوله. أجل إن صدام أمر بارتكاب فظائع وحشية تنطوي على استخفاف بالأرواح البشرية من قتل وتعذيب في المعتقلات لكن حتى صدام نفسه يستشعر دهشة عند مقارنة واقع العراق اليوم بما كان عليه بالأمس.

قبل بضعة أسابيع عرضت فضائية استرالية مجموعة من الصور تعكس ما يجري للسجناء العراقيين في أبوغريب على أيدي الحراس الأميركيين من تعذيب بأساليب مبتكرة تقشعر لها حتى أحاسيس دكتاتور دموي كصدام حسين.

وبعد وقت قصير من عرض هذه الصور أصدرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة تقريراً دامغاً عن انتهاكات المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون في معسكر غوانتانامو الذي يحتجز فيه مئات من المسلمين. ومن بين هذه الانتهاكات الاحتجاز غير القانوني لأجل غير مسمى، وجلسات استجواب تتخللها اعتداءات جسدية ونفسية.

وكما تساءلت «هيرالد تريبيون» فإننا كعرب ومسلمين نتساءل أيضاً: ماذا تبقى للولايات المتحدة لمواصلة إلقاء مواعظ على الآخرين حول حقوق الإنسان والمثاليات الديمقراطية والإصلاح مع بقاء أبو غريب وغوانتانامو كأبرز رمزين وشاهدين؟

في تبريرها لهذه الانتهاكات التي لا تتوقف تقول إدارة بوش إنها في «حالة حرب» تضع الرئيس الأميركي فوق القانون. وهكذا فإنها بإقامة معسكر غوانتانامو خارج النظام القانوني الأميركي ـ أي خارج الأراضي الأميركية ـ أرادت حرمان المعتقلين ـ الذين مضى على اعتقالهم الآن أكثر من أربع سنوات ـ من أي حقوق قانونية، مما يعني أن اعتقالهم قد يستمر إلى الأبد.

ولذا يبقى كبار أركان الإدارة خارج نطاق المحاسبة القانونية. ومنذ أن انكشفت فضيحة التعذيب المنظم في أبو غريب لم يتعرض أي من هؤلاء المسؤولين إلى أي نوع من المحاسبة الإدارية أو القانونية وكأنه لم يحدث شيء. مع ذلك لا تكف إدارة بوش عن إلقاء المواعظ الإصلاحية على دول أخرى ـ خاصة في العالم العربي والإسلامي.

وفي هذا الصدد يأتي فوز فصيل «حماس» الفلسطيني في الانتخابات النيابية ليفضح النفاق الأميركي. لقد كانت العملية الانتخابية الفلسطينية تجربة نموذجية في الشفافية وحرية الاقتراع بشهادة مئات من المراقبين الدوليين بمن فيهم الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر.

ومع ذلك انحازت إدارة بوش إلى إسرائيل في رفض النتيجة.. بل وذهبت أبعد من ذلك فقررت معاقبة الشعب الفلسطيني على خياره.وهذه هي الديمقراطية الأميركية: انتهاكات تلو انتهاكات على خلفية حروب عدوانية.