عقب الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 2005 والتي جرت لأول مرة بالاقتراع السري المباشر بين أكثر من مرشح، استبشر المصريون خيرا، بتحريك المياه السياسية الراكدة منذ سنوات، ودب الأمل في نفوس البعض بأن حياة جديدة ستدب على وادي النيل، تدفع بالعجلة إلى الإمام بعد توقف طويل.
نفس الشعور انتاب البعض وان كان بدرجة اقل مع الانتخابات البرلمانية التي جرت على مراحل في أكتوبر ونوفمبر وتخللتها عمليات التزوير والبلطجة في عدد من الدوائر التي منع فيها ناخبون من الوصول إلى صناديق الاقتراع، وقتل البعض الآخر في اشتباكات مع الشرطة أو أنصار المرشحين.
الصورة المتفائلة التي واكبت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية رغم التحفظ على بعض جوانبها، انقلبت إلى النقيض الآن بعد أن قررت الحكومة المصرية ـ واستجابة لنوابها في مجلسي الشعب والشورى ـ تأجيل انتخابات المجالس الشعبية المحلية التي كان يفترض إجراؤها قبل نهاية شهر ابريل المقبل.
حجة الحكومة او حزبها الحاكم، هي إعداد قانون جديد للمجالس المحلية، يتوافق مع البرنامج السياسي الذي طرحه رئيس الجمهورية عند الترشح لدورة خامسة.
وهو تبرير اعتبره البعض غير مقبول في ضوء ان الجميع يعلم ان تأجيل انتخابات المحليات لمدة عامين كاملين تجميد للحراك السياسي الذي كشف قصور الحزب الوطني الحاكم واتاح لجماعة الاخوان المسلمين انتزاع اكثر من ثمانين مقعدا في البرلمان في الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وهو الدافع الحقيقي لهروب الحزب الوطني، من معركة المحليات التي كان يمكن لها ان تتيح للإخوان إضافة نصر جديد في مرمى حزب الحكومة كما يحلو للبعض ان يسميه.
والسؤال لماذا لم تتم الانتخابات المحلية بالتوازي مع إعداد قانون المحليات الجديد ؟
وإذا كانت قضية وضع قانون جديد للمجالس المحلية ملحة وبشكل لا يمكن الاستغناء عنه، فهل كان الأمر يحتاج إلى التأجيل لعامين كاملين، ألم يكن كافياً بضعة أشهر لواضعي القوانين الجاهزين دائماً لوضع القانون المطلوب بين عشية وضحاها.
وهو ما نتوقعه في نهاية العامين عندما تكتشف الحكومة في الشهرين الأخيرين منهما أنها مطالبة بإجراء الانتخابات المحلية وفقاً للقانون الذي وعدت بانجازه، ساعتها سيسهر الكل حتى الصباح داخل البرلمان ليرى المولود النور.
حديث الحكومة عن تخفيف القبضة المركزية، وإعطاء المحليات أدواراً اكبر في إدارة دفة الأمور في المحافظات، وبالتالي توسيع صلاحيات المجالس المحلية، لا غبار عليه، لكن ذلك ليس عذراً، لوقف المسيرة التي بدأت مع الانتخابات الرئاسية.
وما تلاها من انتخابات تشريعية، فما الضير لو كانت الانتخابات أجريت وفقا للقانون الحالي، ثم أخذت الحكومة فرصة أربعة أعوام وليس عامين لانجاز قانون جديد ؟.
تجميد المجالس المحلية وإبقاء الوضع كما هو عليه لمدة عامين، ضرب لعملية الإصلاح السياسي التي أكدت الحكومة المصرية الالتزام بها، سواء بضغوط داخلية أو خارجية، وهي تعطيل لفكرة التغيير التي عبر الشارع المصري عن رغبته الجامحة في إعمالها وجعلها تتجسد في خطوات سياسية ملموسة وواثقة.
والتراجع الآن ووقف المسيرة على صعيد المحليات لمدة عامين نقوص عن وعود يبدو أنها بدأت في التبخر، أياً كانت الحجج والدوافع.