أفضل ما توصف به الحالة الفلسطينية غداة الانتخابات التشريعية التي أحدثت بنتائجها زلزالاً فلسطينياً وعربياً ودولياً، وهي ظاهرة صحية، أن الرد على الانتصار يأتي عبر الحصار:

حصار سياسي ودبلوماسي من طرف الرباعي مع بعض الإيحاءات بوجود درجة معينة من المرونة تعبر عنها بشكل خاص الثغرة الروسية، لتبقى هنالك شعرة معاوية مع حماس وكذلك فترة سماح قبل الحصار الاقتصادي.

وحصار إسرائيلي على الأرض عسكري وأمني ومعه خنق اقتصادي والدعوة لتجويع ببطء كما يقول دوف فايسغلاس كبير مستشاري رئيس الوزراء، ومحاولات عربية ناجحة نسبياً حتى الآن لإبقاء جسور التواصل قائمة بالواسطة بين الرباعي وحماس.

جملة من المفارقات المثيرة تطرحها الحالة الراهنة: أولاً كشف لعبة التبشير بالديمقراطية من جهة، ديمقراطية التغيير والتعبير، ورفض نتائجها من جهة أخرى. مفارقة تثير التساؤلات تتعدى الشأن الفلسطيني حول مدى جدية دعم التغيير، وتخيف جماعات التغيير من جهة كما تعطي ورقة هجومية قوية لأعداء التغيير ولخصوم واشنطن بشكل خاص من جهة أخرى.

هذا مع التذكير بأن الديمقراطية ليست فقط آلية استفتاء وتداول سلطة بل ثقافة سياسية تقوم على التفكير النسبي وتعددية الخيارات والقبول بالآخر واحترام حقوق الأقلية أياً كان نوعها.

ثانياً، محاولة الانقلاب على نتائج الانتخابات لعدم إعطاء حماس فرصة لممارسة الحكم بشكل طبيعي سيؤدي في حال نجاح الانقلاب إلى انتخابات ستكون لمصلحة حماس فرصة لممارسة الحكم بشكل طبيعي سيؤدي في حال نجاح الانقلاب إلى انتخابات ستكون لمصلحة حماس بشكل أفضل.

وستؤدي بأي حال إلى السماح لحماس فيما لو حكمت تحت الحصار لإيجاد التبريرات المسبقة والمحقة لكل تقصير أو فشل من طرف حماس وتحميل المسؤولية لحالة الحصار وسياسة الاحتواء.

ثالثاً، الإصرار على حماس لاتخاذ عدد من المواقف والإعلانات السلمية والتفاوضية بشكل مسبق في المبدأ وفي السلوكية تحت عنوان حماية عملية السلام، في وقت يذكر فيه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي يعرف جيداً ملف المفاوضات الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي بأن انتخاب حماس لا يمكن أن يؤثر سلباً على مفاوضات السلام باعتبار أن هذه الأخيرة غائبة منذ أكثر من خمس سنوات.

وفي وقت يكرر فيه ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة أن هدف البرلمان الإسرائيلي القادم هو ترسيم حدود دولة إسرائيل، بشكل أحادي بالطبع طالما أن السلطة الفلسطينية بعد الانتخابات قد تحولت من وضع اللاشريك إلى وضع العدو رغم أن الوضعية هي ذاتها على صعيد الواقع.

وفي وقت تستمر فيه إسرائيل في سياسة عزل الأغوار عن الضفة الغربية استكمالاً لسياسة شارون ولمفهوم ايغال ألون حول الحدود التي يمكن الدفاع عنها. والجدير بالذكر أن النظام الذي تقيمه إسرائيل في منطقة الأغوار شبيه بالنظام الذي أقامته غرب جدار الفصل.

أياً كان الاختلاف الايديولوجي بين حماس وفتح السلطة، وللتذكير فإن فتح مرت أيضاً في امتحان مطول من التمخضات العقائدية والسياسية، فإن هنالك أيضاً اختلافاً واسعاً بينهما في كيفية إدارة دبلوماسية الصراع والتسوية مع إسرائيل أياً كانت المسميات التي تعطيها حماس للتسوية.

يعزز منطق حماس في هذا المجال «التجربة المرة» للسلطة والفشل الذريع لتلك التجربة التي قامت على سياسة تسليف المواقف وتقديم التنازلات المستمرة لجذب إسرائيل إلى المفاوضات.

في حين أن أسلوب حماس يلجأ إلى لغة الالتباس المقصود يساعده في ذلك الرفض الإسرائيلي للتفاوض الأمر الذي لا يضع حماس بعد أمام امتحان أو تحدي التغيير. فحماس لا تؤيد رسمياً مبادرة السلام العربية التي أقرت في بيروت ولكن لا تعارضها.

وحماس لا تمارس سياسة شراء السمك في البحر بل تقوم سياساتها على التبادلية والتوازن في التنازلات، والامتحان أمام حماس سيكون يوم تتحرك المفاوضات من جديد وليس في ظل غيابها.

سواء اختبأت حماس وراء الرئيس الفلسطيني ضمن نظام مساكنة على الطريقة الفرنسية يبدو أنه من الصعب النجاح فيه، أو نجحت في إقامة حكومة وحدة وطنية فإنها قد تستطيع التعايش مع البيئة السياسية السائدة طالما استمرت إسرائيل في حالة اللا تفاوض واستمر الوضع الدولي متفهماً لإسرائيل ولو مع نقد خفيف وضاغط على الفلسطينيين.

إنها لحظة مثيرة على أكثر من صعيد: أولاً، كيفية مواكبة تجربة انتقالية لتيار إسلاموي واسع وشعبي وصل إلى السلطة بالانتخابات والتحولات التي سيعيشها هذا التيار وتداعيات ذلك على بنيته الفكرية والتنظيمية والسياسية، وثانياً، الخصوصية الفلسطينية لهذه التجربة ذات الوجهين التحرري والتحريري التي تجعلها أكثر صعوبة وتعقيداً.

إنها تجربة مزدوجة في الفشل وفي النجاح برسم الجميع: انخراط الإسلام السياسي في السلطة وتبلور نموذج ديمقراطي عربي يستوعب هذا الانخراط.

كاتب لبناني