يزخر لبنان بشيء فاتن في طبيعته، وبشيء يزهو به في موهبته الفردية المتصدرة، ويزخر أيضاً بالسيريالية اللامفهومة في مشهده السياسي، ويزخر كذلك بالأورام الطائفية التي أفسدت الجميل المنفرد في هذا البلد السيئ الحظ.
ولا يفهم منطق لبنان سوى أبناؤه الذين ورثوا خريطة ديموغرافية ومذهبية كبلت انطلاقه وشحنته بالتوترات الدائمة، وجعلت من ذلك البلد الجميل حالة مأزومة داخلياً دائماً، ومتأزمة في علاقاتها الجوارية في معظم الأحيان، ومستجيرة بالمرفأ الدولي كل الأحيان.
ويأسف محبو لبنان أن يكون نصيب المواطن اللبناني العيش في بؤرة متوترة ومملوءة بالتسيب الأمني، تقتات على المفردات السياسية المنفرة.
وينزعج محبو لبنان عندما يستمعون إلى المتطوعين في الواسطات أمثال السيد مقتدى الصدر الذي وصل لبنان حاملاً تصريحاً سياسياً اقترح فيه (وساطة بين لبنان وسوريا لاقت تجاوباً كبيراً في دمشق وإن شاء الله يجد تجاوباً في لبنان شبيهاً بالتجاوب السوري من أجل حل المشكلات التي افتعلها الإسرائيليون والأميركيون في لبنان وسوريا والعراق) هكذا جاءت مفرداته عن أهداف جولته.
ويخرج الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة متهماً سوريا بالسماح بعبور أسلحة من أراضيها إلى لبنان لمصلحة ميليشيات مسلحة وهذا ينتهك القرار 1559 الذي يدعو إلى نزع أسلحة الميليشيات، بعد أن تم التفاهم بين مبعوث الأمين العام المكلف بمراقبة تنفيذ القرار 1559 وبين مختلف اللبنانيين، وبات واضحاً أن حركة أسلحة دخلت عبر الحدود اللبنانية لمصلحة ميليشيات (حزب الله والمنظمات الفلسطينية).
وهناك إمكانية حصول توافق سياسي لبناني في شأن مطلب تحالف (قوى الحريري وجماعته) بإزاحة إميل لحود رئيس الجمهورية، حيث أبدى لحود استعداداً لترك منصبه إذا اتفق على اختيار عون بديلاً عنه، بينما يصرح البطريرك صفير ـ الزعيم الروحي للموارنة بأن بقاء لحود غير دستوري وليس من الصالح اللجوء إلى عسكري بديلا عنه.
بينا يتحدث الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بأنه لا يريد الحوار مع نبيه بري مع الإصرار على إزاحة الرئيس لحود المرتبط بمصالح على حساب لبنان، بينما يؤازر الزعيم الدرزي الآخر طلال ارسلان جماعة عون طبقاً لممارسة المناكفات السياسية والطائفية في لبنان.
من الذي يستطيع أن ينقذ لبنان من نفسه، ومن فساد الممارسة السياسية فيه، ومن أثقال الطائفية عليه؟، ومن تسخير الولاء الطائفي بدلاً من الولاء الوطني، ومن البحث عن المأوى الخارجي لمعالجة التورم الداخلي؟..
ويمكن لنا إبداء بعض الملاحظات في الشأن اللبناني:
أولاً: لأن لبنان عاش محمولا على أكتاف الطائفية، لم يستطع أن يكون وطناً للجميع تسود فيه المصلحة الوطنية على ما عداها، ويتفوق فيه شعور الانتماء، ويتفاعل فيه الالتزام بالولاء.
وهو وطن في الرسم الجغرافي، وفي التعريف الوثائقي، ويلجأ أهله إلى فرنسا بحثاً عن مؤازرة، وإلى الأمم المتحدة بحثاً عن حماية، والى حزب الله بحثاً عن التحرير، وإلى سوريا بحثاً عن التوازن.
كل ذلك يجعل لبنان مديناً لسوريا، وإلى الأمم المتحدة وإلى حزب الله، وإلى المملكة العربية السعودية، وإلى ما يُطلق عليه الخيار العربي وفي بعض الأحيان خيار الجوار الجغرافي تعبيراً عن الحرص على البحث الدائم عن شيء ما لحل المشكلات ربما يأتي من الخارج.
ولبنان في وضعه الحالي عليه التزامات تجاه الأمم المتحدة، وتجاه حزب الله، وتجاه اتفاق الطائف، وتجاه إملاءات الجغرافيا.. ينص القرار 425 الذي صدر في مارس 1978 .
ـ وكنت شخصياً مشاركاً في صياغته ـ على سحب القوات الإسرائيلية وعلى استعادة لبنان سيادته في الجنوب، ورغم انسحاب إسرائيل، لم يرسل لبنان قواته إلى الجنوب وتركها لحزب الله ـ اللبناني الموقع، الإيراني التمويل والولاء السوري المشارب.
جاءت إيران إلى لبنان بوسائل حزب الله، وجاءت سوريا بوسائل لحود ومؤيديها داخل لبنان، وجاءت فرنسا بوسائل لبنانية تقليدية، وجاءت الأمم المتحدة بتلهف وإجماع لبناني إنقاذاً له من شلل الطائفية وتخليصاً من الاحتلال السوري.
ثانياً: صدر القرار 1559 في عام 2004 بعد التمديد للرئيس لحود، وأكد القرار على المطالبة بنزع سلاح الميليشيات وإرسال القوات اللبنانية إلى الجنوب، موثقاً في هذا القرار انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وإتمام تنفيذ القرار 425.
وانتهى الوجود الأجنبي من لبنان بعد الانسحاب السوري تنفيذاً للقرار 1559، وبعد انسحاب الطرفين الإسرائيلي والسوري من الأراضي اللبنانية.
وإصرار الأمم المتحدة على تبعية مزارع شبعا إلى سوريا، أي أنها سورية وليست لبنانية، والجزء الآخر من القرار رقم 1559 يطلب من لبنان نزع سلاح حزب الله، وإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب.
ويواصل لبنان مواجهة الالتزامات من دون قدرة على تنفيذها، فمن الإنصاف أن ندرك أن لبنان عاجز عن الوفاء بحق أحد، لأن الكيان البنيوي لدولة لبنان غير طبيعي وغير سليم، ربما أقرب إلى ترجمة الواقع الطائفي المؤلم لكنه لا ينسجم مع المفاهيم العالمية كقاعدة يبني الدولة المركزية وتؤسس هيبة قوانينها، لذلك فإنه لن يخرج من النفوذ السوري ولن يتحلل من النفوذ الفرنسي، ولن يجد حلاً في الوجود الدولي.
ثالثاً: هناك الدولة المتعثرة مثل الصومال، وهناك الدولة المعاقة التي لا تتوفر فيها مكونات الدولة القوية، ولبنان يدخل في صف الدولة المعاقة التي لا تملك مكونات الدولة المركزية القوية.
وإنما هي صيغة مفاهيم بين طوائف كانت متباعدة ثقافياً وفكراً وطموحاً واقتربت لكنها لم تنصهر، ويبقى فيها الولاء للطائفة أكبر من المواطنة.
ومن حق لبنان أن يردد بأنه تعب من حروب الآخرين ـ كما يردد السياسيون فيه، على أراضيه، لكن المشكلة أن حروب الآخرين وجدت رعاية ورعاية ومتبنين لبنانيين لها ومدافعين عنها، بل ومشاركين فيها، وهو الأمر غير الطبيعي الذي يندر حدوثه في المجتمع العالمي.
فما هو الحل لوضع لبنان؟ وما هي سبل تجاوز الإعياء السياسي والاجتماعي؟
هناك دعوة للحوار يسعى لتحقيقها نبيه بري رئيس البرلمان اللبناني وأحد المتصالحين مع سوريا، ومهما جاء جدول أعمال الحوار المتوقع يظل الخوف أن يبتعد هذا الحوار عن معالجة الحالة اللبنانية، حالة الدولة المعاقة.
وأن يدخل الحوار في الجدل المعروف حول حروب الآخرين، واستحقاقات الرئاسة، ومواقف الموارنة، وحماية حزب الله، كل ذلك مساحيق لا تتعامل مع أمراض لبنان، وهي معروفة.
لبنان الآن، وبعد سنوات، بدون احتلال إسرائيلي أو سوري، وفقاً لوثائق الأمم المتحدة وتبقى مشاكل لبنان البنيوية لابد من التعامل معها مباشرة في الحوار القادم بدلا من تجنب التعاطي معها.
لبنان الأرض تفجر الإبداع، ولبنان السياسة تغتاله، لبنان الأرض يثري الخيال ولبنان السياسة تلوثه، وتبقى المسؤولية الكبرى على أكتاف أهله، بدلا من التنقل بين العواصم بحثاً عن حلول لمأساة لبنان.
لبنان الذي أكرمته الطبيعة فأفسدته السياسة.
رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية ـ الكويت