المشهد العربي الحالي يتميز بتناقض صارخ: من جهة، أزماته الملتهبة دخلت دائرة الخطر غير المسبوق أو ما يهدد به، ومن جهة ثانية دخل شلله وضموره، عملياً، دائرة الاستقالة من الفاعلية أو ما يشبهها، ففيما تأخذ هذه الأزمات.

ـ في العراق وفلسطين ولبنان ـ انعطافات حادة نحو وجهات تختزن كل عوامل الانفتاح على المجهول المخيف أن الوضع يزداد غيابه وذبول دوره، عن ساحة هذه التطورات، الحراك التصعيدي النوعي، المتسارع على هذه الساحات، لا يرافقه حراك عربي كابح على الأقل؛ حتى لا نقول محاولات استباق لوأده في المهد.

مع أن الأحداث كانت تتطور بصورة لا تخطئ وجهتها واحتمالات التدهور فيها. كذلك كانت طبيعتها تشير ومن غير عناء، إلى أن تركها تتفاقم يهدد المنطقة كلها وليس فقط ساحاتها.

وكل يوم يمضي، على هذه الحال، يؤدي إلى المزيد من التعقيد والتأزيم؛ وبالتالي إلى المزيد من الصعوبة في لجم اندفاعاتها نحو الهاوية.

في العراق، تقف الأمور على شفير الهاوية. هدأت الفورة التي كادت تحرق الأخضر واليابس، قبل أيام. لكن الصواعق ما زالت مكانها والأجواء الملبدة على حالها.

أفضل تلخيص للصورة أعطته مواطنة في بغداد، عند ردها على سؤال لأحد المراسلين، عندما قالت: «البلد يسير بمشيئة «العناية الإلهية فقط». كذلك في لبنان، يتحكم الانسداد السياسي بحياة البلد.

وهو أيضاً مفتوح على تطورات تحمل في ثناياها مخاطر جمة. استحقاقات كبيرة فيه صارت قريبة والمخارج غير مضمونة. في أحسن الحالات، غير خالية من المجازفات غير المعروفة أكلافها وتداعياتها.

وأما الساحة الفلسطينية، فهي تعاني من استفراد إسرائيلي شبه تام بها. تل أبيب أعلنت القطيعة السياسية مع السلطة الفلسطينية، وفي ذات الوقت أمعنت في التصعيد، وتمارس عمليات الاغتيال بلا سبب ومن غير رقيب أو حسيب. تهدد رئيس الحكومة المكلف بالقتل، وعمليات الاقتحام والحصار تسير بوتيرة متصاعدة، والإطباق على مدن وقرى الضفة خانق.

الحواجز العسكرية بالمئات والتجمعات السكانية الفلسطينية تتلوى من معاناة وإشكالات الحركة والتنقل والرسالة واضحة: إسرائيل تعمل على افتعال وضع كذريعة لتندفع بكل طاقاتها، فور انتهاء الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة، إلى استكمال خطة الفصل الأحادي وفرضها على الشعب الفلسطيني.

ورئيس السلطة الفلسطينية لم يجد أمامه غير مجلس الأمن ليرفع إليه الشكوى. والمأساة أنه يعرف سلفاً ومن التجربة أن هذا الباب مقفل من زمان بوجه قضيته؛ وهو المرجع المفترض أن يكون الملاذ الأول والأخير للفلسطينيين.

والحال كذلك؛ وفيما تتفاقم الأمور عشية القمة العربية التي باتت على مقربة أسابيع أربعة؛ ثمة أسئلة تحمل على الخشية: هل يكون في جعبة المؤتمر أية مبادرة لاستلحاق الأمور؟

الوضع العربي فاته استباق الأحداث والتصدي لها. فهل يقوى على اللحاق بها من أجل لجمها قبل انفلاتها الأخير؟ وإذا كان ذلك ميسوراً أو محتملاً فهل يمكن للعرب اتخاذ خطوات فعالة لإنقاذ الوضع المأساوي، لأن الأوضاع ما عاد بإمكانها الانتظار؟