ببلوغه سن الواحدة والسبعين وإدراكه لعجزه عن استرداد السلطة في مدى منظور يبدو أن الزعيم السوداني المعارض الصادق المهدي قد فقد بوصلته السياسية. فهو يقول الشيء وضده في نفس واحد.
القضية العظمى التي تشغل السودان الآن هي تدخل عسكري غربي بقيادة الولايات المتحدة تحت غطاء الأمم المتحدة بات وشيك التوقع، فهل يؤيد السيد المهدي مثل هذا التدخل أم يعارضه؟
في لقاء مع السودانيين في الدوحة تكلم هذا السياسي المخضرم طويلاً في هذا السياق بما يفيد ضمنيا أن التدخل العسكري الأجنبي في السودان مقبول بقدر ما هو مرفوض. ابتداء يقول المهدي ان هذا التدخل صار «حتميا» لكنه حرص على أن يتوقف عند هذا الحد. فلم يوضح ما إذا كانت هذه «الحتمية» تعتبر بشرى للسودانيين أم تعتبر شراً، ومن هذه المقدمة ينتقل المهدي إلى نقاط مفصلة من أبرزها الآتي:
* إن الحالة الإنسانية والأمنية في إقليم دارفور خرجت عن أي سيطرة للحكومة، وما يستنبط منطقيا من هذا القول هو أن التدخل العسكري الغربي ينبغي ان يكون مرحباً به من أجل إعادة الاستقرار للوضع الإنساني والوضع الأمني.
* إن الحكومة السودانية تضلل الناس بإدعائها أن وجود القوات الإفريقية في دارفور لا يمثل تدخلاً أجنبياً.. فهو وجه إفريقي لتدخل دولي واقع.
واذا كانت الحكومة تضلل الشعب على هذا النحو كما يتهمها المهدي فإن معنى قوله هو أن التدخل الأجنبي مرفوض تماما حتى لو اتخذ شكلاً إفريقيا.
ومن هذه النقطة يلجأ السيد المهدي إلى تنبيه السودانيين بأن الوجود العسكري الإفريقي على الأراضي السودانية سينتهي قريبا ليفسح المجال لقوات دولية غربية «ستكون قادرة على احتواء الوضع المتدهور أمنيا وإنسانيا في دارفور». ومعنى ذلك أن السيد المهدي يستبشر خيرا بدخول القوات الدولية الغربية.
هذا التضارب له تفسير أوحد يتمحور حول عبارة «التفكير الرغبوي» هذه اللازمة التي ظلت تسيطر على ذهنية السيد الصادق المهدي منذ دخوله الحياة السياسية الناشطة في منتصف ستينات القرن الماضي.
ولنسجل أولا أن المهدي ليس خائنا أو عميلاً لكن ارتهانه بالكامل إلى عادة التفكير الرغبوي هو الذي يدفعه إلى «تمني» وقوع تدخل عسكري غربي تتسلل تداعياته السياسية ـ العسكرية من دارفور لتشمل الإطاحة بنظام «الانقاذ» ومن ثم يدعى رئيس «حزب الأمة» إلى تسلم السلطة. مع تحيات حلف الأطلسي.
في قرارة نفسه لاشك ان المهدي يدرك أن أي تدخل عسكري غربي يعتبر إساءة إلى السيادة الوطنية بغض النظر عن هوية النظام الحاكم لكن عند تجاوز سن السبعين ـ بداية العد التنازلي للعمر ـ فإن استرداد السلطة «بأي ثمن» يصبح الهاجس الغالب لدى زعيم سياسي مخضرم.
ويبدو أيضا ان السيد المهدي لا يتعظ بتجارب الماضي. فقد قاده التفكير بالتمني إلى المراهنة على «الحركة الشعبية» الجنوبية لتكون النتيجة بعد ذلك دخول «الحركة» في صفقة مصيرية مع نظام الانقاذ متجاهلة تماما حليفها زعيم حزب الأمة وحليفها الشمالي الثاني زعيم «الاتحادي الديمقراطي».