قرأنا على صفحات «البيان» قصة أم سعيد التي انتهى الحال بها في إحدى دور المسنين في الدولة على يد ابنها وزوجته. استوقفتنا القصة ليست لأنها المرة الأولى التي نسمع فيها عن أبناء عاقين يزجون بآبائهم في دور للمسنين أو يهملونهم في المستشفيات، بل لأننا نتساءل عن مسؤوليتنا كمجتمع تجاه الأبناء العاقين الذين أصبحت دور المسنين والمستشفيات عوناً لهم على العقوق والنكران والجحود رغم أن دور المسنين والمستشفيات لم تنشئها الدولة إلا لتكون عوناً للأبناء والعائلات التي يصعب عليهم الاعتناء بالمسنين طبياً واجتماعياً إلا لأسباب قاهرة.
الغريب في قصة أم سعيد أن ابنها حسبما قرأنا، قام بتغيير أرقام هواتفه بمجرد دخولها إلى الدار حتى عاد ملفها خالياً من أي معلومات توصلها بأسرتها. هذا الابن العاق لم يكلف نفسه عناء زيارة والدته أو السؤال عنها وتركها قابعة بين جدران تتجرع مرارة الألم والوحدة على أمل أن تسمع صوته يوماً أو تحظى برؤيته. أم سعيد وغيرها من الآباء والأمهات آوتهم المستشفيات ودور المسنين وحبتهم بأبناء يقدمون لهم الرعاية. هؤلاء المسنون باقون في المستشفيات ودور المسنين تنفيذاً لأحكام أسرهم القهرية التي قضت بأن يقضوا ما تبقى من حياتهم فيها رغم أن واجب الرعاية والاهتمام بهم يقع عليهم كأبناء قبل أن يكون مسؤولية الدولة التي تحملت ذلك وسخرت الجهود لتقديم الرعاية والاهتمام لهؤلاء الآباء والأمهات.
نقدر جهود دولتنا في رعاية المسنين وتخصيصها أفضل المستشفيات والدور لرعايتهم طبياً واجتماعياً لا سيما أولئك «المقطوعون من شجرة» الذين تقطعت بهم السبل فلم يعد في أسرهم أفراد يمكنهم رعايتهم. ونقدر جهودها في تقديم العون للأسر والأبناء البارين الذين يودون لو يخدموا والديهم لكن المرض الشديد أعجزهم عن تقديم الرعاية المتخصصة، فلزم الأمر الاستعانة بالمستشفيات ودور المسنين. لكننا في الوقت نفسه ندرك أن دولة الإمارات التي تحرص على استقرار الأسرة وتماسكها وترابطها وفق الضوابط الدينية والاجتماعية وما تعارفنا عليه كمجتمعات إسلامية وعربية، لا تقبل بأن يكون أي من أبنائها عاقاً بأقرب الناس إليه.
ولا تقبل بأن تكون تلك المستشفيات والدور سبباً في ابتعاد الأبناء عن آبائهم وعدم وصلهم والتخلي عن مسؤولياتهم تجاههم. وندرك أن المسؤولين في المستشفيات ودور المسنين لديهم من القوانين والأنظمة واللوائح ما يحول دون تحول هذه المؤسسات إلى أداة تعين العاقين على عقوقهم، وندرك أنهم لا يألون جهداً في تعزيز التواصل بين المسنين وذويهم. لكن مع كل ذلك ندرك أن هناك حالات في تلك المؤسسات تثبت وجود أبناء عاقين في مجتمعنا لا يخافون الله.
وهنا نتساءل: هل تتوقع الدولة التي توفر لأبنائها كل سبل العيش الكريمة أن يبرها أبناء عاقون تخلوا عن أقرب الناس إليهم؟ هل تصبح المستشفيات ودور المسنين متنفساً للعاقين ليتخلصوا من مسؤولياتهم؟ هل يعني ترك الآباء في دار المسنين إهمالهم ونسيانهم؟ ألا يخجل من ينعمون بالاستقرار الوظيفي والاجتماعي من إهمال آبائهم في دور المسنين والمستشفيات؟ هل يعتقد العاق الذي تشغله وظيفته ومطالب أسرته عن والديه أننا نثق بأدائه ونركن إليه في خدمة الشعب؟ هل لدينا قوانين تعاقب العاقين الذين يزجون بآبائهم في المستشفيات ودور المسنين ويهملونهم فيما بعد؟ أسئلة كثيرة مؤلمة لكننا نرجو ألا تكون الإجابة عنها أشد إيلاماً.
maysaghadeer@yahoo.com