رحم الله تعالى ضحايا العبارة المصرية الألف ورزق أهاليهم وذويهم جميل الصبر والسلوان، فقد كدنا في زخم الأحداث المأساوية المتلاحقة أن ننساهم، بينما كان الأجدر أن نعطي الأولوية لهذا المصاب الجلل، فلا جنسية لمصائبنا فالكارثة عربية تهم كل مواطن من المحيط إلى الخليج. ولا أخفي القراء الأفاضل بأني اكتشفت التشابه العجيب بين العبارة وبين العالم العربي كله، مع الإحساس الذي يحدوني بأن كليهما يغرق : العبارة في مياه البحر الأحمر والعالم العربي في مياه العصر الراهن، وأن كليهما يقدم الضحايا الأبرياء الذين لا يفهمون أسباب الغرق وأن كليهما يقفز منها الربان إلى مركب الطوارئ طلبا للنجاة تاركا الجمل بما حمل دون اعتبار المبدأ المعروف والمتداول منذ الأزل وهو أن «الريس» هو آخر من يغادر المركب الغارق.
ثم أن العبارة تماما مثل العالم العربي خالفت قواعد السلامة رغم أن اسمها السلام، وخرجت عن قوانين الطبيعة والتوازن الفيزيائي باضافة ثلاث طوابق عليها من أجل زيادة الربح الحرام مع ضرب عرض الحائط بأرواح الركاب المساكين الذين سلموا مصائرهم الى أياد غير أمينة معولين على شعور المسؤولية الذي من المفترض أن يتحلى به «ريس» العبارة وأفراد الطاقم المسير للعبارة، ووجه الشبه الآخر بين العبارة والعالم العربي هو أيضا كون الجمهور نسي الألف ضحية والتفت صوب ملعب كرة القدم مصفقا مهللا للفوز بكأس الأمم الافريقية، فكان الجو يوحي بأن المأساة المنسية غرقت في الفرحة الشعبية وبأن الألف غريق راحوا فداء المهرجان.
ليس تعليقي على الحدث الأليم تحميلا لأحد الأطراف مسؤولية ما، فذلك موكول للقضاء المصري وهو قضاء عادل ونظيف، ولكن الغاية من اثارة هذه المأساة هي استخلاص العبر مما حدث وعقد المقارنة بين العبارة وعالمنا العربي ، فكلاهما يشق طريقه في يم متلاطم الأمواج تجري الرياح فيه بما لا تشتهي السفن كما يقول مثلنا العربي القديم. ثم ان المقارنة تصح وتتعزز اذا ما عرفنا أن سفينة مملوكة للشركة نفسها مرت بالقرب من العبارة الغارقة ويشاع والله أعلم بأنها لم تقم بواجب الانقاذ، وهذا السلوك لو صح بعد التحقيق يذكرنا بعزلة أي شعب عن شقيقه والتنافر بين البلدان بما لا يخدم مصالحها ولا يعمل على تنسيق جهودها والتوفيق بين سياساتها أمام عالم أصبح يتعامل معنا على أساس أننا منقسمون مشتتون. فما أشبه السفن المارة قرب العبارة الغارقة بدولنا التي تتماس دون شعور بضرورة النجدة والمؤازرة.
خذ لك مثلاً، السلطة الفلسطينية بعد فوز حماس الديمقراطي المشروع والمؤيد بالتفاف الشعب حولها وحول برامجها كأية ديمقراطية حقيقية، كل الأطراف في العالم تحركت كل حسب مصالحه أو مصالح دولة اسرائيل: أميركا لها موقف والاتحاد الأوروبي له تحفظات وإسرائيل لها تهديدات والصين نطقت وروسيا تنصح والهند تحلل، للجميع تحركات باعتبار الأمن في منطقة الشرق الأوسط هو بيت الداء للسلام العالمي، وباعتبار عدم التخلف عن قافلة الاستراتيجيات الدولية التي تصنع المستقبل، الكل تحرك ما عدا العرب !
انها ظاهرة مخيفة ولا تبشر بخير، لأن الانطباع لدى الرأي العام العالمي هو أننا أمة عاجزة عن الاتفاق حتى على هذا الملف الراهن والساخن، كأننا لم نتذكر أن القضية الفلسطينية هي القضية الأم والمشكلة المحورية للعرب منذ العام 1947 تاريخ النكبة والتي لم تعقبها الا النكبات حينما نسيناها وتخلينا عن واجب النهضة بأعباء التضامن الصادق معها، أو مع الأسف حين استغلت بعض الأطراف العربية مأساة الشعب الفلسطيني ووظفتها لخدمة هذا والإطاحة بذاك وتعاطت معها بعض الأطراف الأخرى من منظور العواطف الجياشة والأناشيد الحماسية لتغطي على العجز والإعاقة والتفريط.
واليوم لو أخذنا مثالاً ماو وقع مؤخراً في فلسطين لأدركنا أننا نحن العرب أجمعين محل استهداف ومساومات واستفزاز، فقد اغتالت قوات اسرائيل شابين من المقاومة، وقتلت بالدم البارد طفلين في اقتحام لمخيم بلاطة بنابلس، وعلى الصعيد السياسي أعلن أولمرت أن الحكومة الفلسطينية أصبحت جماعة «ارهابية» وعلى المستوى الاقتصادي أعلنت اسرائيل حرمان السلطة من عائدات الضرائب التي تنص عليها اتفاقية أوسلو برعاية الرباعي المشرف على تنفيذها: واشنطن وموسكو والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
هذه التحركات المخططة لاذلال الفلسطينيين وممارسة العقاب الجماعي عليهم كما وصفها اسماعيل هنية لحظتها لا تجد أي صدى في العبارة العربية، والحال أنها استفزاز للعرب جميعا وتهديد صارخ لكل المصالح العربية العليا، لأن اسرائيل لو وجدت ردود فعل عربية في مستوى هذه المخاطر لما أقدمت على الاستهانة بكل محاذير السلام والأمن في اقليم متفجر ومحل صراع بين الحق والباطل منذ ستين عاما.
فالعبارة العربية تواصل طريقها وتمخر عباب بحر الظلمات محفوفة بالمهالك، ومثقوبة الخشب كأنها لا تبالي بالعواصف المحيقة والأعاصير القادمة.
هذه هي العبارة العربية: نسخة عملاقة مكبرة من العبارة المصرية الغارقة والغريب أن هذه وتلك ترفعان شعار السلام ولن تجدا السلام الا في المواقف الجريئة الموحدة، وفي الحفاظ على الثوابت دون غوغاء، أي في كنف ما يتوفر لنا من أدوات العزة والكرامة والعنفوان حتى نورث العبارة العربية لأبنائنا سليمة وقادرة على الابحار ونعلمهم بالأسوة الحسنة كيف يصونونها من الغرق والتلف، ويرفعون على صواريها راية الأمة العربية ذات المجد التليد والمستقبل العتيد. هذه الأمانة ستظل في أعناق جيلنا نحن وهي حق الأجيال الصاعدة علينا، فكما تسلمنا العبارة سليمة قوية من الجيل الذي حررها من الاستعمار يجب أن نسلمها لجيل عربي يحميها من الغرق أو الانهيار.
كاتب تونسي
ALQADIDI@HOTMAIL.COM