تحت العنوان نفسه كتبت مقالا في جريدة «العرب» عام 77 بعد الإعلان مباشرة عن فوز المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية «جيمي كارتر» على منافسه «الجمهوري جيرالد فورد»، وكان كارتر حينها غير معروف لأغلب المحللين في العالم بل ولأقرب المهتمين بالشؤون الأميركية في الصحافة العربية، حتى ان الكاتب الكبير الأستاذ «محمد حسنين هيكل» كتب عنوانا لسلسلة مقالات عنه ونشر في الجريدة نفسها يلخص ببلاغة فائقة شعوره بأن كارتر مازال لغزا غير معروف، وكان هذا العنوان هو «جيمي ماذا ؟ ..جيمي كارتر!».

وبينما سادت موجة هجوم على «بائع الفول السوداني» و هذا المجهول القادم إلى البيت الأبيض في معظم الصحف العربية وجدت نفسي أكتب قائلا: «بالرغم من أنني لا أثق بالسياسة الأميركية، خصوصا تجاه قضايانا في الشرق الأوسط، إلا أنني أثق بالرئيس الأميركي الجديد جيمي كارتر .. وأعتقد ولدي الأسباب أن هذا الرجل سوف يساهم في تغيير ملامح عصر بأكمله بدءا بتغيير ملامح مجتمع أميركي بأكمله».

وكان الباعث على تلك الثقة أنه في حملته الانتخابية كان يعد «بسياسة تستند على الأخلاق» سواء في تعاملها مع الشعب الأميركي في الداخل أو مع شعوب العالم في الخارج، كما أشاع أنه رجل لا يعرف الكذب - عدا شيء من الكذب الأبيض حسب تعبير والدته، وكان كارتر المؤمن بالقيم الإنسانية والحضارية النابعة من إيمانه العميق بالتعاليم الإنجيلية، يرى أن قوة أميركا في العالم لا تنبع من قوتها العسكرية بل من «المبادئ والمثل العليا» ®. وحينما سئل عن ملامح سياسته بعد الفوز رد بجملة واحدة قائلا «سياستي المقبلة هي ما وعدت به في حملتي الانتخابية».

وبينما يرى الكثيرون أن السياسة الماهرة لا علاقة لها بالأخلاق، بينما أعتقد على العكس من ذلك أن السياسة بغير قيم روحية توجهها وبغير مبادئ أخلاقية تستند عليها هي مجرد مهارة شريرة، من هنا سمحت لنفسي بالمراهنة على أخلاقية الرجل ومصداقيته في زمن بدت فيه السياسة الأخلاقية نوعا من السذاجة السياسية.

واليوم وبعد ثلاثة عقود أجد صورة الأمس هي نفس صورة اليوم سواء بالنسبة للسياسة الأميركية أو للرئيس الأسبق جيمي كارتر، ولا يسعني إلا القول بالرغم من أنني لا أحترم سياسة الإدارة الأميركية الحالية إلا انني مازلت أحترم الرئيس كارتر.

ومبعث احترامي هو المقال الشجاع الذي نشره قبل أيام في صحيفة الواشنطن بوست الأميركية تحت عنوان «دعوا حماس تحكم ولا تعاقبوا الفلسطينيين»، وفيه دعا كارتر الأميركيين والإسرائيليين إلى لعب دور إيجابي خلال فترة تشكيل حكومة حماس الفلسطينية محذراً من أن أي تواطؤ ضمني أو صريح بين القوتين على تعطيل هذه العملية عن طريق معاقبة الفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي لن يكون مجدياً وسيؤدي إلى عواقب وخيمة.

ولاحظ كارتر بمرارة أن هذه الإجراءات السلبية قد بدأت بالفعل حيث رفضت إسرائيل دفع أموال الضرائب التي دفعها الفلسطينيون، بل الأكثر من ذلك أنها منعت نواب حماس المنتخبين من الانتقال من غزة إلى رام الله لحضور الجلسة الافتتاحية للمجلس التشريعي الجديد ..

وحيث قررت أميركا وقف تمويل السلطة بما في ذلك الأموال المخصصة لرواتب المعلمين والأطباء وعمال الخدمات المدنية (في إشارة إلى الطلب الأميركي بإعادة خمسين مليون دولار من السلطة الفلسطينية) تماهياً مع الإجراءات العقابية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني لتصويته لصالح حركة حماس.

وحذر كارتر من عواقب ما سيترتب على إزالة حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا عن طريق معاقبة الفلسطينيين مشيراً إلى أن ذلك ستكون له نتائج تزيد من الاحتقان لدى الفلسطينيين المظلومين والمضطهدين أصلا، وسوف تكون له نتائج عكسية حيث سيؤدي لمزيد من العنف ومزيد من التأييد لحماس.

وأشار كارتر في مقاله إلى أن الحل الوحيد هو المسارعة إلى عقد مفاوضات بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس باعتباره رئيس منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت اتفاق أوسلو ورئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت إيهود أولمرت يؤدي إلى التوصل لحل سلمي عادل يقوم على إنشاء دولتين آمنتين تعيشان في سلام داعياً إلى منح الفلسطينيين أموالهم وداعياً المجتمع الدولي إلى استمرار المساعدات المالية والإنسانية للشعب الفلسطيني عبر الأمم المتحدة.

وفي الوقت الذي يدلي فيه بهذا الموقف العادل يرى فيه أن إدارة بوش منحازة تماماً مع الإسرائيليين على حساب الشعب الفلسطيني فضلاً عن هذا يرى في كتابه الأخير تحت عنوان «قيمنا المهددة بالخطر» أن إدارة بوش وراء انحطاط المعايير الأخلاقية التي تميزت بها السياسة الأميركية الخارجية على مدى عقود وأن أميركا تخسر الحرب على الإرهاب بسبب سياسات بوش، مشيراً إلى أن إدارة بوش تشوه الدين والسياسة في آن معاً حين تسئ تفسير مبادئ الدين وحين تسئ إدارة السياسة.

وكان كارتر قد سبق إلى القول أنه سعى خلال حكمه إلى إقامة وطن قومي للفلسطينيين وإقامة سلام عادل وشامل بين العرب والإسرائيليين مشيراً إلى أن السلام العادل لم يتم تحقيقه حتى الآن.

وفي أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة للرئيس بوش أمام منافسه كيري قال كارتر: «إن مصداقيتنا الأميركية قد تناثرت شظايا وهذا ما يحملنا على الشعور بمزيد من العزلة وجعلنا نشعر بالتهديد الدائم في عالم معادٍ لنا لأن حلفاءنا متفرقون والعالم يضمر لنا العداء والشرق الأوسط يشتعل».

وفي ما يتصل بقضايا السلام في السودان اتهم كارتر الإدارة الأميركية الحالية بأنها لا تريد السلام في السودان وإنما السعي للإطاحة بحكومة البشير.

وفيما يتصل بقضايا حقوق الإنسان دعا كارتر الإدارة الأميركية مؤخراً لإغلاق معتقل غوانتانامو ووقف الأساليب الاستخبارية عبر العالم المنافية لحقوق الإنسان قائلاً: «إن معتقل غوانتانامو هو وصمة عار في جبين الولايات المتحدة».

وإذا كان منتدى الحوار بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة الذي اختتم أعماله في الدوحة مؤخراً قد لاحظ ان التوتر الخطير الذي نما بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجهها السياسات العالمية ودعا إلى حوار لمنع تشكيل المفاهيم الخاطئة بين الطرفين حول الأمن والإسلاموفوبيا والعولمة، وبين العقائد لتوفير الاحترام المتبادل، فإننا نلاحظ أيضاَ أننا أمام وجهين للسياسة الأميركية الأول أخلاقي يمثله الرئيس الديمقراطي الأسبق جيمي كارتر، والثاني تسلطي ويمثله الرئيس الجمهوري الحالي جورج بوش وبينما يرى كارتر أن الحكمة لا تتعارض مع القوة فإن بوش يؤمن بالقوة وأحياناً بدون الحكمة.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com