تعتبر مؤسسة العائلة أو الأسرة، من أهم مؤسسات المجتمع، من حيث انها، النواة الرئيسية، التي يتشكل منها المجتمع ككل. ومما يؤكد، على هذه الأهمية، الديانات السماوية والقوانين الوضعية، على مر العصور. فكلما تقدم المجتمع، ازدادت التفاصيل الدقيقة، المتعلقة بهذه المؤسسة، وكيفية تحديد العلاقات والأدوار، بين أفرادها وخاصة المرأة والرجل. وهذا لا يعني، عدم الاهتمام ببقية أفراد الأسرة، إلا ان العمود الفقري لها هو الزوج والزوجة، فالتفاهم المتبادل بينهما، يؤدي إلى الاستقرار والأمن، ومن ثم ينعكس ذلك، على أبنائهما بشكل من الأشكال.

ومن هنا فكلما قلت، نسبة المشكلات، في اللبنة الأولى في المجتمع، يتمتع المجتمع بصحة اجتماعية واقتصادية وسياسية جيدة، وعلى النقيض من ذلك كلما زادت المشكلات الاجتماعية سواء لأسباب اقتصادية أو نفسية أو غيرها، برزت للسطح، مشكلات ذات علاقة بالتفكك الأسري وانحراف الأبناء، وبالتالي حدوث خلل في بنية المجتمع. مما سبق تتضح أهمية معرفة العوامل التي تؤدي إلى الاستقرار والاستمرارية، وبالتالي النهوض بالمجتمع.

إن ازدياد نسبة الطلاق، في مجتمع الإمارات، بشكل ملحوظ، بحيث أصبح يشكل ظاهرة اجتماعية سلبية ستؤثر بشكل من الأشكال على تطور المجتمع وتغييره، ومن ثم تؤثر على منظومته القيمية، تستدعي الدخول في بعض تفاصيل الزواج، والأسس التي تبنى عليها مؤسسة الزواج. إن متطلبات تأسيس أسرة، في الوقت الراهن، تختلف اختلافاً واضحاً، عما كان سائداً سابقاً. فعلى سبيل المثال، نجد ان سن الزواج، في الكثير من الدول قد تغير، ونجد في دول مجلس التعاون، أن سن الزواج للمرأة يتراوح ما بين ( 21- 25) سنة، على حين كان في السابق، يتم تزويج الفتاة، في سن ربما يقارب 15 سنة. ويتراوح متوسط سن الزواج للرجل بين (23 - 30) سنة. ومن المؤكد أن هذه السن تختلف عن السن في المرحلة السابقة. لقد لعبت مجموعة من العوامل، في إحداث هذا التغير فيما يتعلق بسن الزواج، من ضمنها التعليم، والمستوى المعيشي، ومتطلبات الزواج، وشكله.

كان من المتعارف عليه، أن الزواج السائد، هو زواج الأقارب، في المجتمع التقليدي، إلا ان تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومعرفة سلبيات زواج الأقارب، خاصة فيما يتعلق في الجينات الوراثية، ساهم في بروز ظاهرة الزواج، من خارج إطار الأسرة أو القبيلة. ولعل تنامي الوعي، لدى المرأة، وبخاصة المتعلمة، أدى إلى تغيير اتجاهاتها، نحو مؤسسة الأسرة، وكيفية تشكيلها، إذا أضفنا إلى ذلك، إن الانفتاح الثقافي، والحضاري للمجتمع، في العقدين الماضيين، قد ساهم إلى حد كبير في تبدل الأدوار، داخل مؤسسة الأسرة، فلم يعد بالإمكان، استمرار ما كان سائداً، في المجتمع التقليدي، بحكم العادات والتقاليد، وهي بحد ذاتها قابلة للتبدل، ويشوبها في بعض الأحيان، سلبيات بدأت تتضح في الآونة الأخيرة.

إن تأخر سن الزواج، في الإمارات، له انعكاساته على الأسرة والمجتمع ككل، وإذا كان البعض، ينظر إلى هذه الظاهرة، على إنها ظاهرة إيجابية، حيث تتيح الفرصة، أمام الإناث لاستكمال تعليمهن، ولمزيد من النضج، ومعرفة مسؤوليات الأسرة، كما تتيح للشباب فرصة أكبر لإنجاز الخطوات الأولى نحو بناء مستقبلهم المهني والعلمي، فإن آخرين ينظرون إليها، نظرة سلبية، من حيث انخفاض نسبة الخصوبة لدى الإناث في بلد هو أحوج، ما يكون لزيادة نسبة الخصوبة، لتعديل التركيب السكاني.

كما أن التأخر في هذه السن، قد يفسح المجال أمام الانحرافات. ومن هنا وضعت الدولة، الكثير من القوانين والأنظمة، وأيضاً إيجاد مؤسسات تساهم بشكل من الأشكال، في مساعدة أفراد المجتمع لتشكيل النواة الأولى، للأسرة عن طريق صندوق الزواج. وفي المقابل أيضاً، اهتمت بحل المشكلات، التي تنجم عن الزواج، غير المتكافئ، أو الذي يقوم على أسس غير صحيحة، كالطلاق. قد يتساءل البعض، عن أهمية طرح هذا الموضوع من جديد، وأجد الجواب في أن الحكومة الجديدة، برئاسة صاحب السمو، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، قد نحت منحى جديداً في النظر إلى قضايا المجتمع ومشكلاته والفئات الاجتماعية التي تحظى برعاية الدولة، حيث بدأ صاحب السمو نشاطه الحكومي بزيارة المؤسسات الاجتماعية والتعليمية. يضاف إلى ذلك، وجود وزارتين جديدتين، هما وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الثقافة، اللتان تهتمان، بالقضايا المتعلقة بالإنسان، ولعل أهمها قضية تشكيل الأسرة والمحافظة على ترابطها وحماية أفرادها وتمكين الشباب من حقهم في بناء أسرة على أسس متينة ثابتة.

فلقد باتت متطلبات الزواج، أكثر مما يستطيع الشباب تحملها، في ظل ارتفاع الأسعار، وزيادة المهور ومصاريف الزواج، مما يمهد لمشكلات تواجه الأسرة في بداية انطلاقها مثل الطلاق. إن هذا الواقع، يخلق تحدياً جدياً أمام المؤسسات، ذات العلاقة بهذه المواضيع، ويتطلب في الوقت نفسه، إعادة النظر، في العديد من القوانين والأنظمة المتعلقة بالزواج، ومراعاة حقوق الإنسان في اختيار شريك حياته، وأن يتم إرساء العدالة بين الجنسين في هذا الجانب، وان تتم توعية أولياء الأمور بهذه المتغيرات، وبأهمية، الاستفادة من أخطاء تجارب الزواج التقليدي، والذي كان سائداً، في المجتمع وأن يعملوا على الحد من المطالب والعراقيل، التي تقف في وجه تكوين الأسرة، وأن يدرك الآباء أيضاً، أن أوضاع المرأة في الإمارات، قد تغيرت، نتيجة لارتفاع نسبة التعليم، والوعي والمعرفة بحقوقها.

ومن هنا فإن المرحلة الجديدة، التي أكد عليها، صاحب السمو رئيس الدولة، في أكثر من مناسبة، بأهمية الإنسان، وتوفير الحياة الكريمة له، تصب في إيجاد آليات، لإحداث تغييرات، في النظرة إلى مؤسسة الأسرة، وكيفية المحافظة عليها وتنميتها، وبالتالي خلق أجواء تساهم في نشأة جيل مبدع ومنتج، بعيداً عن كل الانحرافات، التي تصيب الشباب، وبذلك يمكن أن نعلن، أننا في بداية تشكيل الجيل الثالث من أبناء الإمارات، ممن سيرفعون الراية، في القرن الحادي والعشرين، وهم مزودون بالعلم والمعرفة، والقدرة على التعامل، مع متطلبات العصر والانطلاق بالوطن إلى الموقع الذي يستحقه.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com