في الوقت الذي يتطلع فيه أبناء الشعب العراقي الشقيق إلى نهار جديد يستيقظون فيه على مناخ مستتب تسوده عوامل الأمن والاستقرار، وتختفي من على ساحته مظاهر المسار التدميري والدموي الذي طال عليهم أمده، وسط هذه الآمال فإن ما حدث يوم أمس الأول في العراق من تدمير لمرقد الإمامين الهادي والعسكري وما أعقب ذلك من إحراق وتخريب لعشرات المساجد قد بدّد أي تفاؤل بانفراج قريب في هذا البلد خاصة وأن ما جرى ينذر بكارثة حقيقية تؤشر على أن هذا البلد اصبح على شفا فتنة طائفية مدمرة تستوجب مسارعة العقلاء من أبناء هذا الشعب الشقيق إلى تطويقها ومحاصرتها ووقف تداعياتها قبل استفحالها واشتعال شررها الذي لن يصلى به العراق وحده بل المنطقة بأسرها.

- ومكمن الخطر كما يتيقن الجميع يتمثل في أن ما جرى ويجري لن يفضي فقط إلى تكريس الفرقة وتمزيق أبناء العراق إلى ملل وطوائف شتى تتنازع فيما بينها على اقتسام السلطة وكراسي الحكم.. بل ان الأسوأ من ذلك أن هذه الفتنة هي من تدق ناقوس الخطر بتفجير الأوضاع وامتداد اللهب إلى الهشيم وهو ما قد يدفع بهذا البلد إلى مهاوي حرب أهلية مأساوية وانهيار واحدة من أكبر الدول العربية الغنية بمقدراتها وثرواتها وتاريخها الحضاري.

- وبالتالي فإن ما يعول على الأشقاء في العراق بمختلف ألوان طيفهم وانتماءاتهم هو إدراك عواقب هذا المنزلق الخطير وما سيجلبه عليهم من ويلات ومآس وكوارث وخيمة إلى جانب استشعارهم لمسؤولياتهم تجاه وطنهم وأجيالهم القادمة وذلك عبر تفويت الفرصة على كل المحاولات المسمومة التي تسعى للزج بهم في اتون حرب أهلية يقتتل فيها أبناء البلد الواحد ويسفكون دماء بعضهم بعضا ويدمرون حاضرهم ومستقبل أبنائهم في مشهد عبثي لن يستفيد منه سوى أولئك الذين لايريدون لهذا البلد استعادة عافيته وقدرته على الإمساك بخياراته الوطنية بصورة مستقلة عن كافة المؤثرات الخارجية.

وعليه فإذا كانت مصلحة العراق هي من تقتضي من كافة أبنائه وشرائحه التحلي بقدر عالٍ من الوعي والشجاعة وضبط النفس ورص الصفوف في مواجهة ملامح الفتنة الطائفية التي بدأت تطل برأسها والسعي لإخماد حالة الفلتان والفوضى القائمة وبما يضمن الحفاظ على التماسك الداخلي والوحدة الوطنية

فلا بد - أيضاً- من أن يستوعب أولئك الذين يغذون مسلسل الفتنة بين العراقيين أن عملية اللعب بالنار في هذا البلد لن تتوقف تأثيراتها ومخاطرها عند نطاقه الجغرافي وحسب بل أنها ستمتد إلى أوسع من ذلك بكثير ولعل ذلك هو ما يعبر عنه المأزق الراهن وحالة الانسداد التي تحكم الأوضاع في العراق التي أخذت تميل إلى التعقيد أكثر منها إلى الانفراج وعلى نحو يعكس معه حقيقة أن سقوط العراق في فخ الفتنة الطائفية وان كان سيلحق الضرر الكبير به، فانه الذي بلا شك سيقود المنطقة إلى واقع من الاضطراب والفوضى سيدفع ثمنه الجميع، القريب والبعيد على حد سواء.. مما يستدعي نظرة عقلانية مشفوعة بالفهم العميق بأن ما يجري في العراق ليس مسرحية عفوية مجردة من الأهداف والأبعاد والنوايا.. بل أن الموقف يتطلب أن يقرأ من زاوية أبعد وصولاً إلى تغليب الخيارات التي تحفظ للعراق وحدته الوطنية وعوامل الأمن والاستقرار في المنطقة.

- وما يتمناه الجميع ألا تكون هذه الدلالات غائبة عن منتجي مسرحية اللعب بالنار الذين يعدون لتحويل الساحة العراقية إلى غابة تتجاذبها الفتن الكبرى والصراعات العبثية والشلالات المتدفقة من الدماء والآلام.

ومن هنا تبدو أهمية تدارك الموقف الذي تجاوز الخطوط الحمراء ووصل إلى درجة الغليان وذلك عبر استنفار كل الطاقات لإحباط الفتنة والعمل الصادق من أجل تعزيز الوحدة الوطنية.

فما حل بالعراق خلال السنوات الماضية لاشك وأنه يفوق طاقة الاحتمال ولم يعد بوسع هذا البلد تحمل المزيد والواجب يستدعي من الجميع العمل على مساعدته لكي يستقر وتلتئم جراحه.