تأتي جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى الشرق الأوسط وسط سلسلة من الإخفاقات السياسية التي واجهتها واشنطن في المنطقة، أملاً في إيجاد طريقة لإعادة الخطة الأمريكية في "الفوضى البناءة" التي رسمتها للمنطقة إلى مسارها المأمول أمريكياً.

وكانت سلسلة الإخفاقات الأمريكية قد بدأت مع نتائج الانتخابات العراقية التي لم تكن على ما يبدو تتطابق مع الآمال الأمريكية، خاصة أن الحكومة التي ستنجم عن تلك الانتخابات ستضم عناصر محسوبة على إيران، حسب التصنيف الأمريكي، وهذا من شأنه أن يدعم موقف إيران المتشدد بالنسبة للملف النووي، وإصرارها على تخصيب اليورانيوم على أراضيها لأغراض سلمية. وربما عكست تصريحات السفير الأمريكي في العراق مؤخراً حول ضرورة استبعاد أشخاص من طوائف معينة عن الوزارات الحساسة مدى خيبة الأمل الأمريكية والتخبط الذي وجدت نفسها فيه بعد الانتخابات العراقية، الأمر الذي زاد نيران المحرقة العراقية قوة وقسوة.

خيبة الأمل الأخرى واجهتها السياسة الأمريكية في المنطقة لدى إعلان فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية بأغلبية كبيرة. ومنذ إعلان نتائج تلك الانتخابات التي جرت في 25 يناير الماضي، والولايات المتحدة تسعى إلى تطويق تلك "المشكلة" على جبهتين: مادية ودبلوماسية. وبدا أن الأمور كانت تسير في الاتجاه الذي تريده واشنطن في بادئ الأمر، خاصة بعد أن دعا عدد من القادة العرب منظمة حماس إلى الاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات السابقة، وأصدرت اللجنة الرباعية، التي تضم الأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بياناً شديد اللهجة يطالب حماس بالالتزام بمتطلبات المجتمع الدولي وتبني سياسة معتدلة.

لكن ذلك تغير بعد فترة وجيزة، وبدأت التصدعات تضرب جدار العزلة الذي تحاول الولايات المتحدة بناءه حول حماس. فقامت روسيا بدعوة حماس لزيارة موسكو وتبعتها تركيا، حليفة أمريكا في حلف الناتو، بالإضافة إلى إعلان عدد من الدول العربية استعدادها لاستقبال قادة حماس. وعندما انتقد الاتحاد الأوروبي قرار إسرائيل وقف تحويل أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية، تبين لأمريكا أن محاولة فرض حصار مالي على حماس لن تكون أمراً سهلاً.

ولهذا تأتي زيارة رايس للمنطقة في محاولة منها لإقناع العواصم التي تزورها بوقف المساعدات عن حماس والضغط عليها. لكن هذه المحاولات لم تلق نجاحاً على ما يبدو، خاصة أن القادة والوزراء الذين التقتهم دعوا الولايات المتحدة لـ"إعطاء حماس بعض الوقت" قبل تطبيق عقوبات عليها، كما جاء على لسان وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط.

الملف الآخر الذي تحاول رايس بحثه في لبنان هو رئاسة الجمهورية اللبنانية، وسعي واشنطن إلى رؤية رئيس جديد مكان إميل لحود الذي تعتبره من بقايا النفوذ السوري في لبنان الذي تسعى إلى محو كل آثاره لتحجيم دور سوريا الإقليمي ودفعها للقبول بالإملاءات الأمريكية من حيث التعاون مع الولايات المتحدة في العراق والمساعدة في تطبيق القرار 1559 في لبنان.

زيارة رايس تهدف لإيجاد مخارج لجميع هذه المحاور الشائكة، لكن مدى نجاحها سيتوقف على مدى استعداد الولايات المتحدة لتغيير "سلوكها" الإملائي في التعامل مع دول المنطقة، وفي انتهاج سياسة أكثر عقلانية وموضوعية وواقعية، بعيداً عن منهج "تغيير الأنظمة" الذي لم يجلب لها وللمنطقة سوى الدمار والفوضى، خاصة في غياب البديل المقبول لدى الشعوب والمحيط المجاور.