لا يمكن فهم التطورات السريعة في لبنان دون الأخذ في الاعتبار اتجاه معظم القوي السياسية إلي إعادة النظر في أجندتها وخطاباتها الداخلية بشكل يضمن تعظيم مكاسبها من عملية التحول الراهنة والخلخلة السياسية التي تبعت اغتيال الحريري وخروج القوات العسكرية السورية وما تبعها من إعادة رسم الخريطة السياسية الداخلية وخريطة التحالفات السياسية أو علي الأقل الحفاظ علي مكتسبات المرحلة الماضية‏.‏

وعلي الرغم من أن اتفاق الطائف قد مثل العامود الأساسي الذي انتظمت حوله العلاقات السياسية بين الطوائف اللبنانية والذي ضمن تحقيق أقصي درجة ممكنة من الاستقرار والتوازن النسبي بين تلك الطوائف فإنه في حقيقة الأمر مازال يمثل بناء غير مكتمل للبنان التي يجب أن تكون‏.‏

فرغم أن الطائف قد أنهي الحرب الأهلية الدامية فإنه أرسي بشكل أو بآخر حالة التوزيع الطائفي للمناصب السياسية والوظائف العامة ورغم تأكيده أهمية إلغاء الطائفية بشكل نهائي فإن هذا لم يحدث منذ توقيع الاتفاق‏.‏ وبدلا من استغلال القوي السياسية اللبنانية للمرحلة الراهنة لإعادة النظر في هذا النظام واستكمال تطبيق بنود اتفاق الطائف الخاصة بإلغاء الطائفية فإنها تسعي استنادا إلي مبدأ الطائفية ذاته

إلي تعظيم دورها السياسي علي حساب باقي القوي السياسية‏.‏ بل إن الأخطر من ذلك كله هو استخدام الطوائف والقوي السياسية اللبنانية لنفس الأدوات التي تم استخدامها خلال الفترة الماضية لإدارة صراعاتها وعلاقاتها البينية وفي مقدمتها محاولة جر القوي الخارجية للداخل اللبناني‏.‏ وهكذا يظل المخرج الوحيد والأهم للحالة اللبنانية هو إلغاء النظام الطائفي وبناء نموذج للتعايش السلمي في إطار نظام علماني ديمقراطي ليبرالي وتنمية متوازنة للأقاليم اللبنانية‏.‏