في عام 1989 قال ديفيد ايرفينج المؤرخ البريطاني إنه يشك في حدوث «الهولوكوست» أي محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، من قبل النظام النازي بألمانيا. وفي الوقت نفسه لم ينف قتل اليهود بعد اعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم، بل أكد حرق بعضهم كأفراد وليس جماعات.

كان ذلك رأي مؤرخ قرأ ودرس وحلل واستقصى واقتنع، ثم مارس حقاً تكفله نظم البحث العلمي في المجتمعات العلمانية، ونطق مستنداً إلى الدساتير القائمة على كفالة حرية الرأي والتعبير لكل مواطن مؤمن بالديمقراطية والتعددية واحترام حرية الآخرين، ولم يطلب من أحد أن يؤيد نظرته إلى تلك القضية، كما لم يتمسك بها باعتبارها شيئا مسلما به، فقد ظن ان الأمانة العلمية تستوجب منه طرح رأيه المؤيد بالوثائق والمستندات والشواهد.

وغاب الرجل ستة عشر عاما انشغل خلالها بأبحاثه ودراساته ونظرياته التاريخية، وذهب إلى النمسا للمرة الثانية، وكانت الأولى يوم تحدث عن المحرقة، فإذا به يعتقل ويقدم إلى المحاكمة بتهمة الإدلاء بآراء تخالف الرأي الذي تبنته الصهيونية العالمية، واستصدرت من أجله قوانين تجريم كل من ينفي وقوع المحرقة او يشكك في أرقامها أو أسبابها وأهدافها، ولم ينكر الرجل انه قال ذلك الكلام عام 1989، ولكنه اعترف بأنه كان مخطئاً، وأنه صحح ذلك الكلام في السنوات اللاحقة، بعد أن عثر على وثائق ومعلومات تؤكد وجود المحارق، وأنه كان يعلن رأيه في ذلك الوقت وليس أكثر، فلم تشفع له تراجعاته أو تأكيداته، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع الرأفة.

هذه الواقعة الحية تفتح أعيننا على حقيقة مخجلة في النظام الدستوري والقضائي الغربي، ففي الوقت الذي تتنادى فيه الحركات والمنظمات الأهلية وبعض الحكومات الغربية وكل وسائل إعلامها تقريباً لمواجهة الغضب الإسلامي للإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم برسوم كاريكاتورية انطلقت من الدنمارك، وحجتها أن حرية الرأي والتعبير شأن خاص بالأفراد ووسائل الإعلام، وأن الحكومات والسلطات القضائية لا تملك حق التدخل او التوجيه او المحاسبة، وفي نفس الوقت الذي تتطاول فيه مؤسسات الإنتاج السينمائي على السيد المسيح والسيدة العذراء، وأيضا بحجة حرية الرأي والتعبير التي لا تمنح حصانة لأحد، نجد أن محرقة اليهود ممنوعة من التداول والنقاش والبحث، وتقتل في سبيلها حرية الرأي والتعبير، وتظهر القوانين الملزمة التي يحبس بها مؤرخ قال رأياً قبل دهر من الزمان ثم صححه، فكانت ازدواجية النظرة، وزيف الادعاء، وقسوة الانحياز.

moc.oohay@1_fesuoym