أصبح من المستحيل للمرء المتابع لسير الأحداث العالمية ألا يصاب بالحيرة والقلق في آن واحد. الحيرة بسبب التواء الأحداث وتناقضاتها، والخوف من تزييف التاريخ والحقائق وتطويعها لخدمة مصالح فئات معينة. ففي الوقت الذي ينظر فيه لرسوم كاريكاتيرية عنصرية واختزالية، خالية من أية فكاهة بأنها رمز لحرية التعبير وللديمقراطية الغربية، يحاكم أستاذ جامعي ومؤرخ على حرية فكره وتعبيره لأنه في إحدى محاضراته العامة أنكر وجود غرف الغاز والمحرقة النازية.
فقد تناقلت الصحف المحلية والعالمية يوم الثلاثاء الماضي الموافق 21/02/06 خبر اعتقال ومحاكمة المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفنغ بتهمة إنكار المحرقة النازية (الهولوكوست)، واتهم ممثل الإدعاء ميشيل بلاكل الدكتور إيرفنغ بأنه ليس بالمؤرخ وأنه يروج لتاريخ مغلوط، «ويرسم صورة للتاريخ لا توجد فيها غرف الغاز»ئ؟!
انطلاقاً من القاعدة نفسها ألا يعتقد الغرب أن الكاريكاتير الدنماركي مغالط للحقيقة التاريخية لشخصية الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، ومغالطاً لحقيقة الإسلام والمسلمين. فالرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها الجريدة الدنماركية لم تكن بحاجة لقراءة تحليلية خاصة لفك رموزها ومعرفة الرسائل المتضمنة فيها، فقد كانت محاولتها ربط المسلمين بالإرهاب والإسلام بالعنف واضحة، وبفجاجه.
وبالرغم من خلو هذه الرسوم الكاريكاتورية من الفكاهة والسخرية وحتى الحس الفني والنزاهة، ألا أن بعض محرري الصحف الأوروبية أعادوا نشرها متحججين برغبتهم في قياس «حرية التعبير»، فكيف يا ترى سيقيس هؤلاء المحررون حرية التعبير فيما يتعلق بقضية الدكتور إيرفنغ؟ وهل سيسمح بطرح وجهة نظر مؤيدي طروحات إيرفنغ أم سيحاسب كل من يفتح فمه بتهمة العصر «ضد السامية»؟
لماذا يتعامل الإعلام الغربي بحذر أو يردع نفسه عن التعامل مع الكثير من القضايا الحساسة مثل الهولوكوست، على سبيل المثال، وقضايا أخرى لا يسعنا المجال لذكرها هنا، ويقل هذا الحذر عند التعامل أو تناول قضايا متعلقة ب«الآخر»، والذي حدث أن يكون الإسلام والمسلمون في هذه الواقعة؟ لماذا تم اختصار قضية الكاريكاتير في زاوية حرية التعبير وتم تجاهل الجوانب الأخرى؟ ولماذا تم اختصار قضية الدكتور إيرفنغ في تهمة «ضد السامية» والترويج للنازية وأغفل فيها جانب حق حرية التعبير التي يدافع عنها الغرب ويعتقد أن المساس بها يخل بأصول الديمقراطية الغربية؟
ألا تعد محاكمة الدكتور إيرفنغ على ما طرحه ضد قيمة حرية التعبير التي اعتقد الغربيون أن العالم الإسلامي يهددها عندما طالب بالاعتذار له على إهانة أهم رموزه الدينية؟
نحن لا نختلف على أهمية حرية التعبير وعلى كونها قيمة أساسية، ولكننا نعتقد بأن الحفاظ عليها وعلى ممارستها لا يمنحنا التفويض الكامل لقول ما نشاء وفي أي سياق اجتماعي وثقافي، وبغض النظر عن النتائج والتأثيرات التي قد تحدث كردة فعل. نحن لسنا ضد اليهود وحقهم في حماية تاريخهم ورموزهم الدينية، فنحن نعتقد أن احترام الآخرين، خاصة في هذا العالم الذي أصبح يعيش في حالة من الارتهان المتبادل، يعتبر في حد ذاته قيمة لا تقل أهمية عن قيمة حرية التعبير.
ولكن، وكما يبدو أن الغرب غير معني كثيرا بسياقات الآخر الثقافية والدينية، أو بتأثيرات أفعاله على الآخر، باستثناء اهتمامه بالسياق اليهودي؛ يبدو كذلك أن الغرب مازال يعيش بذهنية وجبروت المستعمِر الذي يعتبر نفسه ليس بحاجة أن يأخذ في اعتباره أحاسيس، معتقدات وتوجهات المستعمر، مهما كانت قدسيتها وحساسيتها. على النقيض، يحاول الغرب فرض قوانينه، ثقافته، معتقداته، لغته وعاداته على «الآخر». وخير دليل على ذلك إعادة نشر الكاريكاتير، والتي في الحقيقة لم تحدث لمجرد، كما ادعى الناشرون، قياس حرية التعبير، ولكن لقياس مدى التزام ومسايرة الأقليات بفرضيات واعتبارات الأغلبية المهيمنة.
على الغرب اليوم أن يعي ويستوعب حقيقة مهمة، وهى أن تجاهل مشاعر الآخرين ذوي الخلفيات العرقية والثقافية المختلفة لم يعد ممكنا كما كان سابقا، وذلك لعدة أسباب أهمها أن نسبة الأقليات التي تعيش اليوم في الغرب كبيرة. ولكي يحافظ الغرب على أمنه المحلي وتجانسه فهو ملزم بإيجاد الوسائل الأفضل لإدماج هذه الأقليات واحترام ثقافاتها وخلفياتها وقيمها التي تؤمن بها. هذا بالإضافة إلى أننا، وكما ذكرت سابقا، أصبحنا نعيش في عالم قائم على الارتهان المتبادل بدرجة لم نعهدها من قبل، مما يحتم على الجميع، وأوله الغرب، تعلم التعايش مع الآخر واحترام ثقافته، حقوقه، ورموزه الثقافية والدينية.
إن السلوكيات والمواقف الغربية الاستعمارية القديمة المترفعة والمحتقرة للآخر لن يكون هناك مجال لممارستها في عالم اليوم لأنها لن تقود إلا للتراجع والذبول. على الغرب أن يتعلم أن يعيش مع الآخر ويحترمه، لا أن يعيش معه مفترضاً سموه وتفوقه الإنساني عليه. على الغرب أن يتعلم أن يعيش مع الآخر، لا أن يستعمره ويهيمن عليه، مرة بحجة الرغبة في تحضيره ومرة أخرى بحجة تعليمه الديمقراطية...الخ.
إن مواقف وسلوك الغرب القائمة على إحساسه بتفوقه وتميزه على الآخر لن يكون لها سوق ولا مشتر في عالم اليوم وفي المستقبل القريب. فكما تتوقع الكثير من الدراسات الاقتصادية والسياسية، العالم يتحول إلى مرحلة جديدة لن يكون للغرب دور الريادة فيها، خاصة بعد بروز الصين والهند كقوى سياسية واقتصادية فاعلة في تسيير وتشكيل العالم. وللمرة الأولى في التاريخ الحديث لن يلعب الغرب دور المهيمن الأول على العالم ولن يكون له نفس الحضور والأهمية في مقابل الهند والصين. لذا، من الأحرى إذن أن يتعلم الغرب أن يدرك وجود الآخر ويلتزم باحترام مشاعره وأحاسيسه، لأن الغرب أيضا بحاجة لهذا الآخر وبحاجة لأن يعطي قيمه ومثله العليا قيمتها الحقيقية.
جامعة الإمارات