يعتبر مبدأ التعددية الثقافية أهم بكثير من التعددية السياسية بالنسبة للولايات المتحدة والغرب عموماً، ولكن هذه التعددية التي يريد أن يرعاها الغرب في عصر العولمة، ليست تلك التمايزات التي توجد داخل أي مجتمع والتي تعتبر تفاعلاتها إثراء للثقافة الوطنية، بل ما يريده هو تسييس تلك التمايزات في بعدها الطائفي والمذهبي والعرقي والجهوي، وهذا يشكل خطورة على المجتمع العربي في بعده الوطني أو القومي، فالدولة العربية الوطنية لا تخلو من طوائف ومذاهب وجهويات يمكن تسييسها وتحويلها إلى دويلات حسب منظور ثقافة العولمة.

وبما أن هذه الدولة هي المستهلك اقتصادياً وثقافياً في عصر العولمة، فإن مجتمعها مرشح للانسلاخ عن خصوصيته المستمدة من إرثه القومي المتآكل، فيكفي أن تتوقف هذه الدولة عن أداء وظائفها الاقتصادية والاجتماعية حتى يزداد تشرنق الفرد داخل ولائه العصبوي بمختلف أنواعه، بينما تحثه وتدفعه ثقافة العولمة إلى الخيار العصبوي كهوية وحيدة وكمخرج من هذا المأزق وكحق مشروع يجيزه مبدأ التعددية وتحميه الولايات المتحدة.

لقد كانت مشيئة الغرب وراء ظهور الدولة العربية الوطنية بالكيفية والشكل الذي ظهرت عليه وحاولت هذه الأخيرة أن تبحث لها عن هوية سياسية وثقافية تبرر بها وجودها وكان الغرب يبارك ويشجع ذلك باعتبار أن تجذير ظاهرة الدولة الوطنية هو في حقيقة الأمر قضاء على فكرة الدولة القومية، التي تمثل كابوساً لا تحتمل استراتيجية ومصالح الغرب في المنطقة مجرد الحديث عنه.

وسط هذا الجو المشجع أخذت الدولة العربية تقوي من ثقافتها وتخلق آليات لذلك وتقيم بينها وبين جاراتها حدودا ثقافية على غرار الحدود السياسية، ومع ذلك ظل الإرث الثقافي التاريخي المشترك هو الذي تقتات منه هذه الدولة وظل هو الرابط الذي يؤطر ما يمكن أن يحدث من تفاعل ثقافي بين العرب، ذلك لأن هذا الإرث غير قابل للتجزئة ولا يكون مفيداً في حالة تجزئته وقومنته على المستوى القطري.

فلو افترضنا أن السعودية، على سبيل المثال، اعتبرت امرأ القيس شاعراً سعودياً ولا يجوز لغيرها أن يدعي بأنه جزء من تراثه الشعري، فإن ذلك لن يؤدى سوى إلى خروج هذا الشاعر من بقية التراث العربي ولن يستطيع في الوقت ذاته أن يضيف شيئاً إلى الثقافة السعودية، وكذا الأمر بالنسبة للعراق لو فكر بالطريقة نفسها بالنسبة للشاعر أبي الطيب المتنبي أو المغرب بالنسبة لابن خلدون.

يبدو أن زمن الحرص والمحافظة على هذه الدولة بالنسبة للغرب قد ولى ولعله أصبح من الضروري إعادة النظر في الفكرة التي كانت تقوم عليها وذلك على ضوء المتغيرات الدولية في عصر العولمة، ومعنى ذلك انه قد ترى الولايات المتحدة والغرب عموماً بأنه لم تعد ثمة ضرورة استراتيجية أو مصلحية في أن تظل معظم الأقطار العربية محتفظة بحدودها وأقاليمها السابقة، ومما يساعد الغرب على انجاز هذه المهمة هو هشاشة الوضع السياسي والاجتماعي في هذه الدولة وعدم قدرة الثقافة القطرية الهامشية على الوقوف في وجه ثقافة العولمة القادمة من مجتمعات المركز القوية والمتفوقة تكنولوجيا وحضاريا وما تقدمه من وعود وأوهام وقيم وتصورات تحث الفرد على الأنانية والحياد تجاه الآخرين القريبين منه.

كما توفر له العولمة شبكات اتصال بديلا عن الوطن والأمة ليتواصل مع آخرين باللغة الانجليزية المتأمركة وهذا الوضع قد يجعل طبقة محددة هي القادرة على التواصل سواء من الناحية اللغوية أو المادية، كما انه يقود إلى انقسام المجتمع إلى ثقافتين.

ثقافة النخبة المعولمة وثقافة الجماهير وهو المشهد نفسه الذي ساد الساحة الثقافية العربية بعد صدمة الحداثة وما سمي بعصر النهضة العربية ففي عصر العولمة أيضاً ستسود ثقافتان، ثقافة نخبوية معزولة وثقافة مهمشة وهذا ستتمخض عنه عدة نتائج على الصعيد السياسي أهمها بروز قوة التيارات السياسية الإسلامية الاحتجاجية باعتبارها ترفع راية رفض العولمة وتحمل خطاباً اقرب إلى فهم الناس ومرجعياتهم الثقافية والتاريخية وبالتالي فإن معظم قطاعاتهم تلتف، كرد فعل على التهميش والازدراء، حول هذه القوى على أساس أنها تمثل معقل المقاومة ضد هيمنة الغرب وجبروته غير أن هذا الالتفاف من منطلق ديني قد يخلق بين هذه الأغلبية حالة من الهيجان والتوجس والخوف على هويتها، بينما يقابل ذلك المطالبة من قبل نخب الطوائف بالتعددية الثقافية، وهو المبدأ الذي يتبناه الغرب ويدافع عنه فوق أية أرض تمثل جزءاً من مصالحه الاستراتيجية، وعندها قد تقع النتيجة المرجوة والمتمثلة في رد فعل هذه الأغلبية ضد الطوائف في شكل تصرفات وأفعال عنيفة، وذلك حينما يصور لها ظاهر الحال بأن هذه الطوائف ضالعة في مؤامرة الغرب ضد العرب المسلمين وعندها أيضاً قد لا تجد هذه الطوائف مناصاً من أن تطلب حماية الغرب.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي