تشكل البيئة جانباً من أهم الجوانب في حياة الإنسان، وذلك لكونها المجال الذي يعيش فيه ويؤثر ويتأثر هو بالتالي بنمط البيئة المحيطة به. وبما أنها مهمة لبقاء الإنسان بدرجة كبيرة لتوفرها على ما يحتاجه الإنسان من ماء وهواء وغذاء فهي بالتالي شيء قيّم وثمين يجب أن يحرص الإنسان على بقائه بصورة تضمن استمرارية حياة بني جنسه. ولكن الإنسان لم يحافظ عليها فبعد أن من عليه الله بنعمة التطور التكنولوجي توّلد في نفس الإنسان حب الجشع فتناسى أمر الحفاظ على البيئة في سبيل تحقيق ما يطمح إليه من إنجازات اقتصادية.
ففي عام 1986 وقع انفجار مفاعل تشرنوبل النووي في أوكرانيا مخلفاً وراءه أضراراً كبيرة، ويقدر حجم الإشعاعات التي انبعثت جراء الانفجار بمئة ضعف حجم الإشعاعات التي سببتهما القنبلتان النوويتان اللتان سقطتا على هيروشيما وناجازاكي مجتمعتين. كما تقدر الخسائر البشرية الناجمة عن هذا الحادث قرابة 5000 إلى 300 ألف شخص تقريباً ناهيك عن الأشخاص الذين لايزالون يعيشون في هذه المنطقة الملوثة بالإشعاعات النووية والذين يقدرون بستة ملايين شخص حسب إحصاءات الأمم المتحدة. مما أدى هذا الحادث إلى خسائر فادحة على المستوى البيئي والبشري أيضاً.
كما أن عدم الاهتمام بطريقة إدارة الموارد البيئية في الدول قد يؤدي إلى حدوث نقص في الموارد الطبيعية وذلك نتيجة اللامبالاة في سبيل تحقيق الأهداف الاقتصادية والأرباح المالية على حساب الموارد البيئية. وهذا بالتالي قد يرغم الدول التي استنفذت مواردها بصورة خاطئة إلى طلب العون ويد المساعدة من الدول الأخرى مما يضعها في مواقف سياسية حرجة ويلزمها في الوقت نفسه بتلبية طلبات سياسية مقابل الاستجابة للعون نتيجة النقص والحاجة الماسة إلى الموارد الطبيعية.
كذلك يمكن أن نرى كثيراً من الحالات الاستعمارية والصراع بين الدول تحدث نتيجة الصراع حول مناطق غنية بالموارد الطبيعية. فالشيء الذي يجذب الانتباه في حالة النظر إلى الخارطة السياسية للعالم هي الدول التي تعتبر مكامن للموارد الطبيعية والغنية بها، فهذه الموارد البيئية والمواقع الحيوية تعد بلا شك هدفاً تتجه نحوه الدول الأخرى لاستغلاله والاستفادة منه وقد يبدو أن هذا التوجه وهذا الصراع هو صراع من أجل البقاء ولكنه في حقيقة الأمر هو صراع الدمار وليس صراع البقاء، وذلك لأن الهدف من ورائه ليس البقاء وإنما التسلح أو زيادة القوة العسكرية التي لا تجلب للإنسان سوى دمار نفسه وفناء البيئة الطبيعية نتيجة جشع النفس البشرية.
هنالك كثير من الجهات التي تقوم بالتحذير من الأخطار التي تهدد البيئة على الأرض. الجماعات البيئية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية وغيرهم الكثير الكثير من الذين جعلوا البيئة شغلهم الشاغل لأن ما تقوم به كثير من الدول اليوم هو بداية لدوامة هواجس بيئية قد تعصف بالبشر. فالنظام البيئي هو نظام لا يمكن لبني البشر الاستغناء عنه. وسقوط هذا النظام لا قدر الله هو سقوط بلا شك لكل أنظمة الحياة الأخرى في العالم وتدهور لحياة الإنسان بالدرجة الأولى. ولكن رغم كل هذه النداءات والتحذيرات وبالرغم من الدور الفعّال الذي تحاول به هذه المنظمات أن توضح للإنسان خطورة التهديدات المحيطة بالبيئة إلا إنه وللأسف الشديد لا حياة لمن تنادي.
كما إن الفكر السائد بين كثيرٍ من دول العالم والذي يحث على السيطرة على جميع الدول التي تعج بالموارد الطبيعية والتي ينظر إليها كأنها مخزن أسلحة استراتيجي لوفرة الموارد الطبيعية فيها، فإن هذا بالتالي يجعلنا اليوم نلاحظ أن هناك توجهاً غير طبيعي لدى الدول في سعيها إلى التسلح والتطلع إلى زيادة القوة العسكرية مهما كلف الأمر والذي يأتي على حساب أشياء أخرى من ضمنها البيئة فماذا نجني يا ترى؟ لا نجني شيئاً البتة سوى إتمام صفقة مقايضة فاشلة وسلبية بكل المقاييس في استبدال طبيعة بيئية مليئة بالحياة مقابل أراضٍ ملئت بالمقابر نتيجة الحروب ولا تحمل في طياتها سوى شواهد قبور الإنسان لا أكثر.
يمكننا القول من خلال تاريخ الحروب والصراعات التي بدأت منذ القدم وإلى وقتنا الحالي، أن نخلص من وقائع هذه الحروب إلى أن البيئة هي الضحية الأولى والأكثر تضرراً في الحرب. فعندما تكف طبول الحرب عن القرع وتهدأ المدافع وينتصر المنتصر ويخسر الخاسر وتصل الحرب إلى نهايتها. فلا عجب أن يقف الإنسان في تلك الأرض التي احتدم فيها الصراع وينظر ولو لبرهة من الزمن لما حوله فماذا يرى؟ سوف يرى كل ما تسببت به الحروب من دمار بيئي للأرض وما عليها نتيجة أوهام القوة والانتصار الزائفة. وخير دليل على ذلك ما حدث في كثيرٍ من بقاع العالم مثل: إشعال آبار النفط في الكويت (الحرب الخليجية الثانية) وتدمير الأراضي والحقول في الحربين العالمية الأولى والثانية وكثير من الانتهاكات الأخرى في مختلف بقاع العالم على حساب بيئة مغلوبة على أمرها.
إن ما نحتاج إليه اليوم هو التطلع إلى سياسة بيئية عالمية ترنو إلى المحافظة على البيئة من الدمار والتلوث. سياسة يجمع فيها أعضاء النظام الدولي على عمل دولي مشترك موحد يتمثل في محاولة القضاء على العوامل التي تضر البيئة وتعمل من جهةٍ أخرى على المحافظة على البيئات التي لم تصل إلى درجة التلوث الخطر.
جامعة الإمارات
ali_alahbabi@hotmail.com