ما وقع في العراق، أول من أمس الأربعاء من تدمير لمرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري وتدمير لعشرات المساجد إثر ذلك، ينذر بكارثة من العيار التاريخي. ليس فقط على مستوى البلد، بل المنطقة بأسرها. الفعل وما استتبع من رد فعل، يلامس النخاع الشوكي لتركيبة، تعيش حالة غليان. صحيح أن الوضع في العراق متوتر ومتفجر، منذ حوالي ثلاث سنوات، لكن الأمور لم يسبق أن تدهورت بهذه الدرجة.

لقد تجاوزت الأوضاع الخط الأحمر الأخير، وبمدى غير معروف من قبل. الأمر الذي يشير إلى أن الأزمة العراقية، بكل مكوناتها المتداخلة، قد بلغت نقطة لا تستدعي دق ناقوس الخطر فقط؛ بل أيضاً استنفار أنواع الكوابح المتاحة كافة لمحاصرة نار الفتنة، على الأقل في اللحظة الراهنة؛ قبل فوات الأوان ووصول اللهب إلى الهشيم.

الوضع العراقي يعيش مقدمات هذا الحدث المروع، منذ فترة. تراكم الأحداث والتعقيدات، في ظل احتلال، واكبه انفلات أمني وتعثر سياسي مديدان؛ أديا إلى زيادة الاحتقان في بيئة هشة تحتضن الكثير والخطير من صواعق التفجير. ولا شك أن الخلفية هذه تفاقمت حالها في ضوء التردي المتواصل الذي تعيشه الساحة العراقية. كما زاد من حدة التأزيم أن الوضع كان يبدو بلا أفق. حالة من الانسداد اختمرت فيها كل عوامل التصعيد والتباعد.

الانتخابات الأخيرة جرت منذ أكثر من شهرين. وحتى اللحظة لم تتبلور صيغة لحكومة جديدة. حروب الشروط والشروط المضادة تستنزف الساحة. وكلها ذات أبعاد مذهبية واثنية؛ بحكم التركيبة العراقية القائمة. الأمر الذي زاد من صعوبة التوفيق بينها. كما أنه صب في شحن المناخ العام بالمزيد من عوامل التشنج الفئوي. وفي أجواء كهذه يكفي أن تبادر أقلية معينة إلى إطلاق الشرارة لتشتعل النار الحارقة.

ومن هنا أهمية وضرورة الاستدراك على عدة جبهات، أولها الجبهة الحكومية. لقد آن أوان الخروج بتشكيلة وزارية تستجيب لتحديات المرحلة، تشكيلة تجمع بين التوازن والتمثيل الواسع؛ بما يحقق التطمين وتطييب الخواطر، وقبل كل شيء بما يمكّن الحكومة المرتقبة من النهوض ببرنامج وطني يتصدى للأولويات، بالسرعة الممكنة والفعالية اللازمة، فالوضع العراقي لم تعد لديه طاقة لاحتمال المزيد، معاناته فوق القدرات المتوفرة.

الجبهة الثانية هي جبهة المؤتمر الوطني العام. لقد كان من المتوقع أن ينعقد هذا المؤتمر خلال فبراير الجاري. والاعتقاد أن الحكومة الجديدة تكون قد أبصرت النور في هذا الوقت، لم يحصل شيء من هذا القبيل وزاد من الإحباط أن المؤتمر تم تأجيله إلى يونيو المقبل في حين أن الحاجة ماسة له اليوم وليس غداً. وما حصل أول من أمس من تدمير لمرقد الإمامين في سامراء وما تبعه من عمليات تخريب لعشرات الجوامع، يستدعي إعادة النظر في هذا التأجيل؛ بحيث ينعقد المؤتمر في أقرب وقت ممكن.

الإدانة والشجب والاستنكار لهذه الجرائم مواقف بديهية وضرورية. الدعوة لضبط النفس ورص الصفوف لإحباط الفتنة هي دعوة واجبة وفي محلها. لكن كل ذلك لا يكفي لأنه لا يضمن تكرار ما لا يحتمل التكرار. المفتاح في الوحدة الوطنية. والمدخل حكومة تمثل هذه الوحدة.