الاعتداء الذي استهدف أمس مرقد الإمامين الشيعيين في سامراء علي الهادي والحسن العسكري يكشف عمق الهوة السحيقة التي انحرف اليها مسار الوحدة الوطنية العراقية، ويطلق شرارة الفتنة الطائفية التي طالما حذرنا منها، وحذر منها العالم في ضوء الانفلات الأمني وتكريس النزعة الطائفية التي وجد الشعب العراقي نفسه ضحية لهما منذ الغزو الاميركي. إن هذا الاعتداء يضع الشعب العراقي بكافة مكوناته امام امتحان صعب،نرجو ان يجتازه بتسام فوق الجراح، وتطلع للمستقبل رغم قتامة المشهد.
بالامس فقط وبعد الاعتداء على المزارات الشيعية تم قتل ستة عراقيين من السنة من بينهم ثلاثة أئمة، وتم خطف الرابع،فيما تعرض 29 مسجدا سنيا لهجمات في عموم العراق واضرمت النار في مسجد آخر، في الوقت الذي تصدى فيه زعماء السنة للاعتداء "الشرارة" بالتنديد والادانة، ولكن ذلك لم و لن يهدئ مناخا أصبح مشحونا بعوامل الفرقة والشحناء أكثر من عوامل الوحدة والانسجام.
في هذه الاثناء يبقى الموقف الاميركي الاكثر اثارة، ومدعاة للتعجب على هامش هذا المستنقع الملتهب، فالاعتراف الاميركي بخطورة الموقف الذي جاء على لسان السفير الاميركي زلماي خليل زادة منتقدا فيه قوات الأمن العراقية "التي يديرها أناس طائفيون"، اعتراف جاء متأخرا، ويحمل من بوادر فشل السياسة الاميركية في العراق أكثر مما يؤشر على احتمالات نجاحها، وهذا استنتاج يؤكده الرأي العام من خلال تصويت اجرته قناة الجزيرة الفضائية عبر موقعها على الانترنت كشف ان 92% من المصوتين في استفتاء حول هذا الملف لايعتقدون بأن أميركا صادقة في نبذها للطائفية في العراق.
ولعل ما يزيد من خطورة الموقف ما يبدو من انعدام للثقة أصبح باديا للعيان ما بين الادارة الأميركية والحكومة العراقية في معالجتهما للأزمة، ففي حين يكثف خليل زادة من انتقاداته لوزارة الداخلية الى حد الادانة، ينبري رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية عبد العزيز الحكيم ليحمل السفير الاميركي ما يحصل في العراق، ونحن نعرف ان واشنطن ماكانت لتجرؤ على انتقاد وزير الداخلية العراقي لولا توافر أدلة ملموسة لديها بالتورط في أعمال القتل والتصفية التي يعانيها العراقيون السنة.
إن هذا المنعطف الخطير في مسلسل العنف الدامي في العراق يحتم على قياداته العمل بحكمة للحوار مع كل الفصائل من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية متوازنة تعيد لجميع الفئات العراقية الثقة في سلطة "المنطقة الخضراء"، كما تستدعي من الحكومة الاميركية التدخل الفوري، ليس بالتصريحات العاطفية البراقة، وانما بالعمل الجاد لمنع "لبننة" العراق في غياب اي أمل في "طائف" منتظر قد يوقف حمام دمه، ويقطع أيدي مخربيه.