تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس خلال الساعات القليلة التي أمضتها بالقاهرة في إطار جولتها بالمنطقة, تؤكد من جديد أن العلاقات المصرية ـ الأميركية أعمق بل وأكثر تعقيدا من تلك الأوصاف التي يحلو للبعض إطلاقها علي تلك العلاقات, والتي تنحصر في خيارين إما أنها جيدة أو تمر بأزمة.
ومثل هذه الأوصاف التبسيطية لا تدرك أن العلاقات بين قوة عظمي ممثلة في الولايات المتحدة وقوة إقليمية هي مصر, تتضمن عدة مستويات فهي أولا استراتيجية بمعني أن الدولتين توصلتا إلي اعتقاد جازم مفاده أن وجود علاقات قوية ومتشعبة بينهما أمر ضروري ومفيد لكليهما, وثانيا علاقات متوازنة وليست علي حساب طرف أي أن كلتا الدولتين تحاول تحقيق مصالحها من خلال هذه العلاقات وبالتالي فإن من المحتمل بل ومن المرجح ظهور تباينات في بعض الرؤي والتوجهات في إطار الاتفاق المشترك علي أن مثل هذه التباينات هي جزء من الإطار الأوسع للعلاقة الجيدة والمتطورة.
أحد هذه التباينات, التي يدور حولها الجدل من حين لآخر, هي الموقف الأميركي من عملية الإصلاح الديمقراطي في مصر, وفي هذا السياق قيل كلام كثير عن الرؤية الأميركية إزاء التطور الديمقراطي الراهن في مصر وعن بعض الاختلافات في هذا الصدد. وجاءت تصريحات عميدة الدبلوماسية الأميركية الليلة قبل الماضية لتضع النقاط علي الحروف, فقد أكدت أنها جاءت إلي مصر للحديث عن الديمقراطية كصديق وليس كقاض وأن القاهرة هي المكان المركزي في العالم العربي والمنطقة التي يمكنها أن تكون قاعدة للإصلاح السياسي والاقتصادي بما تملكه من ثقافة وحضارة, وأيضا أشارت رايس إلي أن النموذج الديمقراطي الأميركي ليس مطروحا للتطبيق في مصر أو في السعودية أو أي دولة أخري معترفة بوجود تغييرات جوهرية في مصر منذ الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة.
وإذا كانت تلك هي رؤية الإدارة الأميركية ممثلة في وزيرة خارجيتها إزاء مكانة مصر وما يمكن أن تقدمه من نموذج ديمقراطي للمنطقة, فإنه ليس من الصعب إدراك أن الاختلافات التي حاول البعض رفعها إلي مصاف الأزمة أمر طبيعي بل وحيوي في علاقات الدولتين مادامت هناك خطوط رئيسية تحكم تلك العلاقات وفي مقدمتها الاحترام المتبادل وإدراك كل طرف أهمية الآخر.