في زحمة الحياة يتوقف البعض منا في محطات تدفعه للتأمل والتفكير. تجعله يسترجع صورا قديمة مرت عليها سنوات أشبه ما تكون بالأيام. في هذه المحطات ترى أبناء عاصرتهم بحكم مهنتك يوم كنت معلما لتفاجأ بهم وقد غادروا مرحلة الطفولة التي تركتهم فيها إلى مرحلة أخرى كبروا فيها وأصبحوا أكثر نضجا، وأكثر رغبة في الانطلاق نحو هذه الحياة بخطى ثابتة تتيح لهم ما يحقق طموحاتهم وما يجسد أحلامهم واقعا.
اليوم هو الثاني لفعاليات مهرجان المستثمر الصغير الخامس، الذي تقيمه مدرسة الاتحاد الخاصة بالجميرا تحت رعاية سمو الأميرة هيا بنت الحسين، حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وهي رعاية كريمة تعكس إيمان سموها بدور المدارس في إعداد الجيل الجديد ليكونوا بناة المستقبل. وتعكس دعمها لكل ما يخدم توجهات دبي الاقتصادية التي تتطلب دعم المبادرات الفعالة وتعهدها في مهدها. فالإيمان بالرؤى والمبادرات يتطلب أفعالا ودعما من القيادات والمسؤولين والمؤسسات لتأصيل تلك الرؤى ودعمها.
في خضم استعدادات المدرسة لتنظيم هذا الحدث، ولأنني كنت إحدى أعضاء اللجنة المؤسسة للمشروع، فوجئت بطلابي وقد استوعبوا خلال خمس سنوات فقط مفاهيم الاستثمار وإدارة الأعمال. وفوجئت بهم رجال أعمال مفاوضين ومنظمين على الرغم من حداثة أعمارهم. وتذكرت حينها لحظة ولادة المشروع التي كانت بإصرار من مديرة المدرسة، صاحبة فكرة «المستثمر الصغير»، حيث تبنتها وعاصرت كل مراحل المخاض التي مرت بها التجربة رغم المحاذير والتحفظات التي أثارها البعض حول عدم قدرة طلاب المدارس على إدارة مشاريع تجارية.
ومازلت أذكر كيف كانت بعض الشركات والمؤسسات التي يستعين الطلاب بها لرعاية مشاريعهم تستنكر عليهم الخوض في مشاريع تكبر أعمارهم، ورغم ذلك قدم الكثير منهم الرعاية والدعم اللازمين حتى لا تتعثر طموحاتهم. واليوم تلك المؤسسات والشركات التي كانت تتردد في رعاية مشاريع طلبة مدرسة الاتحاد الخاصة، تتقدم بنفسها لتعرض رعايتها ودعمها الكاملين لهما بعدما شهدته من جهود لهم كمستثمرين قادرين على ترجمة رؤية إمارة دبي، مدينة المال والأعمال.
وما تجربة مدرسة الاتحاد الخاصة بالجميرا إلا دليل على قيامها بالدور المنتظر منها كمؤسسة تعليمية، تعنى بتنمية الإنسان وإعداده ليكون عضوا فعالا في مجتمعه، وما جهود إدارتها ومعلميها وطلابها إلا أفعال تترجم هذه الرؤية، وما حضور الأهالي والمسؤولين إلا تشجيع للأبناء.
لا امتدح هذه التجربة من باب الدعاية، بقدر ما هو إيمان بالفكرة وإعجاب بأولئك الأبناء الذين شبوا عن الطوق، وبقدر تقديري لتلك الكوادر البشرية، من إداريين ومعلمين وأولياء أمور ومؤسسات وضعت كل جهودها لتخرج بتجربة ناجحة تسهم في خلق بيئة تعليمية مختلفة. بيئة قادرة على تغذية المجتمع ورفده بما يحتاجه. فالتربية والتعليم اليوم لم تعد دفترا وكتابا أو حتى حاسوبا، إنها مسؤولية نقل رؤية المجتمع وأهدافه إلى الطلاب، وتمكينهم من القيام بكل ما يحقق تلك الرؤية والأهداف بأساليب علمية ومنهجية.
maysaghadeer@yahoo.com