ثارت الدنيا ولم تقعد حتى الساعة دفاعاً عن حرية الصحيفة والرسام الدنماركي وحقه في الإساءة إلى الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، الإساءة التي بلغت حد تصوير نبي الرحمة والتسامح على شكل«إرهابي» يحمل على كتفيه رأساً أشبه بقنبلة فتيلها مشتعل.

فضلا عن أشكال أخرى مقززة ومهينة ليس لخاتم الرسل والأنبياء فحسب بل لأي شخص من أحاد الناس، ولم تتوقف الإساءة عند الحد الفردي لمرتكبها بل تمادت إلى حد بروز تيار غربي حكومي و شعبي يتمترس للدفاع عن حرية وحق التعبير لمن يسيء للنبي وللإسلام، ويستهين بالغضب الإسلامي انتصارا للمقدسات، بل ويعتبره سلوكاً همجياً يهدد الحضارة والعلمانية الأوروبية.

للأسف، انزلق بعض الكتاب والإعلاميين العرب والمسلمين خلف هذه الحملة الغربية وغوايتها المضللة، وتحولوا إلى نافخين في بوق الترجيف والتضليل باسم حرية الرأي، بعضهم أعاد نشر الرسوم المسيئة والآخر لم يأل جهدا في الغمز واللمز في قناة من هبوا غضباً دفاعاً عن قداسة النبي ورسالة الإسلام.

فات هؤلاء ومن لف لفهم ان حرية الرأي والتعبير في الغرب ليست صراخا في البرية، ولا حديثاً من أحاديث التنفيس في حدائق «هايد بارك» بل هي حرية مسؤولة لها حدود وقيود، منها الديني وبعضها لحماية السلطات والحقوق المدنية، وأخطرها القيود التي تحظر على أي كاتب أو سياسي تناول حقيقة أوضاع اللوبي الصهيوني العالمي.

أو مراجعة حقيقة أسطورة المحرقة النازية لليهود في ألمانيا، لدرجة ان من يحاول بأسلوب علمي تمحيص تاريخية الأسطورة، والتوصل إلى صورة واقعية لما جرى بعيدا عن المبالغة أو التضخيم، يلاحق بتهمة الإساءة إلى المحظور والمقدس الصهيوني.

ويعتبر في نظر الإعلام الغربي معاديا للسامية، رغم أن الصهيونية هي العدو الأول للسامية، منذ الأزل وحتى نهاية التاريخ، مرورا بجرائم إبادة العرب في فلسطين ولبنان، وهي جرائم عنصرية بامتياز تفوق في بشاعتها «المحرقة».

السؤال الذي تتشكل حروفه مثل أنصال سكاكين تنغرس في الحلق: لماذا هذا الصمت الغربي المريب على الحكم الذي أصدرته محكمة في النمسا الاثنين بالسجن على المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج بعد ملاحقته وتوقيفه في فيينا منذ شهور بتهمة إنكار المحرقة والإساءة إلى «الهولوكست» وخدش مشاعر الصهاينة.

جوهر القضية التي لا يمكن لمنصف أن يغمض عيونه عن رؤيتها ان ايرفينج عوقب على اجتهاد وبحث علمي تاريخي موثق، حتى لو اخطأ.

تصور يا صديقي القارئ، لو ان ايرفينج كان أنكر وجود الله، أو أساء إلى النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، أو ساق من الإساءات والرذالات ما لا يعد أو يحصى ضد الإسلام.

أو المسيح عليه السلام، هل كان سيجد من يلاحقه أو يقاضيه، على العكس، سيجد طوابير من المرجفين والنافخين في ابواق الحرية الزائفة يدافعون عن «حقه» في الإساءة، شريطة الا يتخطى الخطوط الحمر ويتطاول على «الهولوكست» وتوابعها من أساطير إسرائيل، وهكذا هي الحرية التي تمسخ بها كل العقول وتطمس بها كل الحريات الإنسانية.

من المؤكد ان النواح لا يليق بأصحاب الحقوق، لذا يجب ان نبدأ التحرك العقلاني الذي يليق بنا كعرب، ونطلق حملة واسعة لتصحيح الصورة وإظهار المغتصب من تاريخنا.

ونفضح «المحارق الصهيونية» في دير ياسين وبحر البقر وصابرا وشاتيلا، ونقيم النصب التذكارية للأبطال من شهداء هذه الأمة، قبل أن يجرفنا تيار المسخ ونبخل حتى على الشهيد بوصفه الذي يستحقه، ونضعه في خانة واحدة مع قتلى حوادث الطرق والأسواق.