إن زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى منطقة الشرق الأوسط تندرج تحت شعار «نشر الديمقراطية»، في الوقت الذي تتبنى وكذلك دول الاتحاد الأوروبي موقفاً رافضاً لنتائج المسيرة الديمقراطية التي مارسها الشعب الفلسطيني بنزاهة عندما قرر انتخاب حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية.

الزيارة تأتي بعد التصويت في مجلس النواب الأميركي يوم الأربعاء الفائت على وقف المعونات الأميركية المباشرة إلى السلطة الفلسطينية ما لم تتخل حماس عن الدعوة لتدمير إسرائيل.

وقد قال النائب الجمهوري جون بويهنر زعيم الأغلبية بمجلس النواب ان التصويت سيرسل رسالة واضحة، وهي «أن الولايات المتحدة لن تساند المنظمات الإرهابية». ووافق النواب على القانون بأغلبية 418 صوتاً ضد صوت واحد.

ولا تخفي رايس أنها تعتزم خلال زيارتها الضغط على الدول العربية، خاصة السعودية لعدم دعم حماس التي ستشكل الحكومة الفلسطينية المقبلة حالة قيام الاتحاد الأوروبي وواشنطن بقطع المساعدات عن السلطة الوطنية الفلسطينية.

فها هي الإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي تعلن رفضها التعامل مع حماس المدرجة بقائمة «الإرهاب» لأنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وترفض الاعتراف بإسرائيل قبل اعتراف الأخيرة بالحقوق الوطنية والسياسية الفلسطينية.

وقد اتخذت الإدارة الأميركية والدول الأوروبية خطوات عملية وملموسة لمحاصرة السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة حماس وكذلك الشعب الفلسطيني مالياً ودبلوماسياً بهدف الحصول على تنازلات كبيرة لصالح إسرائيل.

في الوقت الذي تنفذ إسرائيل سياسات وتتخذ إجراءات مخالفة تماماً للقوانين والمعاهدات الدولية، وترفض تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالأرض الفلسطينية التي هي أساس الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

كما يجب أن لا ننسى أن زيارة رايس تهدف للحديث عن الديمقراطية في الشرق الأوسط بينما لايزال الشعب العراقي يرضخ تحت الاحتلال ويعاني من حالات تعذيب لاإنسانية وبربرية مارستها وتمارسها قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية.

لقد أعلن مجلس الوزراء الإسرائيلي خلال جلسته الأسبوعية يوم الأحد الماضي عن سلسلة من الخطوات التي اقترحتها الجهات الأمنية الإسرائيلية المختصة في أعقاب سيطرة حماس على المجلس التشريعي الفلسطيني الجديد.

ومن بين هذه الخطوات، وقف تحويل الأموال التي تجبيها إسرائيل لحساب الفلسطينيين ومنع تنقل العمال من قطاع غزة إلى إسرائيل وتجميد مشاريع اقتصادية تطويرية مشتركة.

كما تم الإعلان عن أن السلطة الفلسطينية أصبحت «كيانا معادياً» لإسرائيل وأن هذا الأمر لن يتغير إذا أصرت حماس على موقفها السياسي تجاه إسرائيل. بينما لا يعرف أحد متى اعتبرت إسرائيل السلطة الفلسطينية أو القيادات الفلسطينية المعتدلة شريكاً لها.

وقد صرح ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي بالوكالة بكل وضوح بأن إسرائيل غير مستعدة للعمل مع سلطة فلسطينية في قبضة حماس وأكد أن «إسرائيل لن تجري اتصالات مع إدارة تلعب فيها حماس أي دور مهما كان صغيرا أو كبيرا أو دائماً»، وأعلن جملة من الإجراءات العقابية بما فيها: احتجاز عائدات الضرائب الشهرية للسلطة.

وزيادة نقاط التفتيش على المعابر بين إسرائيل وقطاع غزة، وحظر نقل المعدات إلى قوات الأمن الفلسطينية، وتشديد القيود على حركة مسؤولي حماس، ومطالبة الجهات المانحة بوقف الدفعات المستحقة للسلطة.

كما أكد أولمرت الذي سيقود حزب «كاديما» في الانتخابات العامة التي ستشهدها إسرائيل في 28 مارس المقبل، أن «الهدف الأول» للحكومة الجديدة المقبلة سيعمل على وضع حدود نهائية لإسرائيل من خلال اعتزامه القيام بعمليات انسحاب أحادي الجانب من أجزاء من أراضي الضفة الغربية لضمان وجود أغلبية يهودية داخل حدود «إسرائيل، مع الاحتفاظ بوادي نهر الأردن والقدس الشرقية والتجمعات الاستيطانية الرئيسية في إطار تسوية نهائية».

هذه المواقف الإسرائيلية المتطرفة لم تواجه بسياسة أميركية واضحة وحاسمة تثبت للشعب الفلسطيني والشعوب العربية أن الديمقراطية التي تتغنى بها الإدارة الأميركية والتي هي مطلب شعبي عربي وإسلامي بالأساس لا تتناقض مع الممارسات العملية «للحكومات الديمقراطية» ولا تتقاطع مع سياسة المعايير المزدوجة التي تمارسها في منطقة الشرق الأوسط.

إن أقصى ما وصلت إليه «الحكومات الديمقراطية» في هذا الأمر هو إعلان رايس في الأسبوع الماضي أن إسرائيل يجب ألا تتخذ المزيد من عمليات الانسحاب أحادي الجانب أو خطوات لوضع حدود نهائية لدولة إسرائيل.

وأن هذا الموضوع يجب أن يترك لمفاوضات الوضع النهائي بين إسرائيل والفلسطينيين. في الوقت الذي لايزال هناك رفض أميركي وإسرائيلي للاعتراف بالأراضي الفلسطينية لعام 1967.

أما فرنسا الديغولية التي تدعي الريادة في حقوق الإنسان والديمقراطية فقد أعلنت مؤخراً وبعيد فوز حماس أنه لا يمكن التساهل بموضوع حماية أمن وسلامة إسرائيل وكأن إسرائيل تعيش أزمة وجودية وأن فوز حماس سيعرض أقوى دولة في الشرق الأوسط للخطر المحدق.

نسأل «الحكومات الديمقراطية» لا سيما في واشنطن أليس الدفاع عن الحقوق الوطنية وإنهاء الاحتلال وحماية قضية عادلة كالقضية الفلسطينية هو ممارسة حقيقية للديمقراطية؟ أليس التطلع إلى احترام مبادئ الديمقراطية وخيار الشعب الفلسطيني واجباً يجب احترامه من قبل أدعياء الديمقراطية؟

هل من الخطأ الديمقراطي أن تعطي السلطة المنتخبة ديمقراطياً الوقت الكافي لتنفيذ الوعود التي قدمت للشعب الفلسطيني كحماية الحقوق بقوة القانون وترسيخ الحياة النيابية والدستورية وتشريع القوانين اللازمة في كل المجالات ورعاية الحريات العامة وحقوق الإنسان وتطبيق سيادة القانون واستقلال القضاء وبرنامج الإصلاح الوطني؟

هل الديمقراطية تدعو إلى معاقبة ما يقرب من 5 ,3 ملايين فلسطيني باتوا يعتمدون بشكل كبير على المساعدات الخارجية والعائدات الضريبية لدعم اقتصاد يعيش فيه نصف السكان على أقل من دولارين في اليوم الواحد، أي تحت عتبة الفقر؟

لاشك أن انتخاب أغلبية نيابية من حماس في المجلس التشريعي قد وجه رسالة واضحة وقوية إلى كل من يعنيهم الأمر وإلى المجتمع الدولي على حد سواء، مفادها أن أسلوب التراخي والمهادنة واللين في التفاوض مع الجانب الإسرائيلي لم يعد مقبولاً.

وأن انتهاج خط تفاوضي أكثر صلابة ومصداقية قد أصبح مطلباً وطنياً فلسطينياً ملحاً، بعد أن طال الأمد على العملية التفاوضية دون أن تحقق ما توقعه أبناء الشعب الفلسطيني منها.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com