يبدو أن القاعدة المعمول بها، في التعامل مع العرب، صارت «الاستثناء من القاعدة»، وكأن ما يصح على غيرهم لا ينبغي أن يصح عليهم. المعايير والمقاييس المتعارف عليها والمقبولة في أرجاء المعمورة، من غير المقبولة تطبيقها عليهم. فهم مطالبون بالالتزام بها؛ لكن عندما تنضبط ممارساتهم في حدودها وضمن إطارها؛ يأتيهم الرفض لنتائجها.
وقعوا بين نارين: إذا عملوا بموجب السائد فهم غير مقبولين؛ وإذا امتنعوا عن مماشاته فهم متمردون وعن الاجماع خارجون. صار الأمر فريسة الالتباس والحيرة. بل هو بات أقرب إلى المتاهة والتعجيز.
واشنطن، وبالذات إدارة الرئيس بوش، وضعت مواصفات ومعايير للدول التي يصحّ اعتبارها أعضاء في نادي العصر. وقد رهنت تعاملها مع البلدان، خاصة في العالم الثالث، بمدى التزام هذه الأخيرة بشروط هذا الانتماء.
على رأس هذه الشروط، إدخال الإصلاحات الديمقراطية في حياتها السياسية؛ بحيث تكون الانتخابات النزيهة الشفافة؛ إحدى ركائز هذا التطور. ومنها أيضاً اعتماد الاصحلاحات الاقتصادية، بحيث يكون اقتصاد السوق هو الركن الاساسي فيها. من دون توفر هذين الشرطين تبقى المجتمعات في عداد الأنظمة الدكتاتورية والمعدومة من فرص التنمية؛ حسب المفهوم الأميركي.
وبالتالي يصار إلى عزلها وعدم التعاون معها. أما الأخرى التي ترتضي اعتناق الديمقراطية، السياسية والاقتصادية، فهي تصبح مقبولة وتحظى بالتعاون والدعم.
حتى هنا، لا غبار على ذلك. فهذا منطق العصر وناموسه. دول عديدة؛ في أوروبا الشرقية وغيرها بادرت إلى التغيير وخطت خطوات ملحوظة وتم قبولها في المنظومة الدولية المقبولة.
لكن عندما أتى الأمر إلى منطقتنا اختلفت المسألة، وصارت المقبولية استنسابية؛ حيثما تأتي الحصيلة مفصلة على مقاسات معينة تكون موضع ترحيب؛ والا تكون موضع نبذ ومقاطعة. تجلى ذلك بصورة فاقعة في ملفين، خلال الأيام الأخيرة:
الأول كان ملف الانتخابات الفلسطينية؛ باعتراف وشهادة المراقبين الدوليين كافة الذين اشرفوا على تلك الانتخابات، ومنهم الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر انها كانت شفافة، مع ذلك سارعت واشنطن إلى وضع العصي في الدواليب .
واعلان حرب المقاطعة على السلطة الفلسطينية؛ لأن حماس باتت مكلفة بتشكيل حكومة جديدة؛ على خلفية فوزها بالأغلبية الراجحة في الانتخابات. الرسالة واضحة: الانتخابات مطلوبة وبنزاهة، لكن لابد، لقبولها، ان تأتي بما يرضي إسرائيل؛ وإلا كان الثمن تجويع الشعب الفلسطيني عقابا على اختياره!
الملف الثاني كان في صفقة شراء «موانئ دبي» لشركة «بي أند أو» البريطانية والتي تدير العديد من المرافئ الكبيرة في العالم ومنها ستة في الولايات المتحدة.
فور إتمام الصفقة بدأ التأفف في أوساط بعض القوى في الكونغرس ووسائل الإعلام. ثم ارتفعت الوتيرة وتحول الهمس إلى حملة شعواء سياسية إعلامية.
أحد التعليقات في الواشنطن بوست (22/2) كانت بدايته «إننا نقوم ببيع موانئنا إلى حكومة عربية»! واستدعى الأمر تدخل الرئيس بوش ليؤكد ان على الصفة ان «تمضي قدماً»؛ مهدداً بالفيتو ضد أي خطوة يأخذها الكونغرس لإلغائها.
التمييز ضد العرب يزيد من الاحتقان ولا يخدم مصالح الطرفين. وعدم المسارعة إلى الكف عن ممارسته وقطع الطريق عليه يؤذي العلاقات بدلا من تمنيتها.