قضية الكاتب البريطاني ديفيد ارفينغ الذي أدين في محكمة نمساوية لإنكاره المحرقة اليهودية تثير مسألة الازدواجية في التعامل الغربي تجاه حرية التعبير، وغيرها من المبادئ كالعدالة والديمقراطية وما إلى ذلك.

فلقد قضت محكمة الجنايات في فيينا يوم الاثنين الماضي على المؤرخ البريطاني بالسجن ثلاث سنوات، لا لشيء إلا لأنه شكك في قصة المحرقة اليهودية التي ضخمتها الآلة الإعلامية اليهودية، وجعلتها عاراً على جبين أوروبا وألمانيا بالتحديد.

الأمر الذي دفع المؤرخ ارفينغ إلى وصف القانون النمساوي الذي يحرم إنكار المحرقة اليهودية بأنه (مجنون) كونه يتعارض مع المبادئ الأوروبية التي تمجد حرية الكلمة. إن هذا الحكم يوضح بجلاء كيف يتعامل الغرب مع مبدأ حرية التعبير من خلال سياسة الكيل بمكيالين.

فعندما يتعرض كاتب أو باحث وبطريقة علمية لقصة تاريخية، ويمارس حقه في البحث العلمي ويصل إلى نتائج لا ترضى عنها إسرائيل يوضع تحت المقصلة، ويهدد أو يسجن وتسحب كتبه من المكتبات كما حصل مع المؤرخ ارفينغ ومن قبله المفكر الفرنسي الراحل روجيه جارودي.

أما إذا أساء كاتب أو صحفي إلى الإسلام ورموزه المقدسة وبطريقة غوغائية واستفزازية، كما فعل سلمان رشدي في كتابه المشين (آيات شيطانية) أو تسليمة نسرين في بعض كتبها الآثمة أو ما حصل مؤخرا من الصحيفة الدانماركية عندما نشرت رسوما كاريكتورية تسيء إلى النبي محمد عليه السلام، فإن الغرب الليبرالي يدافع عنهم وعما يسمونه حقهم في التعبير، في تناقض صريح مع مبدأ احترام الأديان والخصوصيات الثقافية.

هذا التناقض في التعامل مع مبدأ حرية التعبير وأمام مرأى ومسمع من العالم، ولاسيما العالم الإسلامي يسيء إلى مصداقية الغرب، ويثير حنق المسلمين ضده. وهو الأمر الذي لا يخدم مسألة حوار الحضارات، وفهم الثقافات المختلفة، بل إنه يجعل الأحقاد تعتمل في النفوس، ويجعل الصدام هو القانون الذي يسير العلاقات بين الشعوب.

إن العدالة في التعامل مع مختلف القضايا، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أمر في غاية الأهمية لاستتباب الأمن، والقضاء على أسباب الصدام.

فالشعوب لا ترضى بأن تعامل معتقداتها على نحو مهين، ثم يدافع الغرب القوي عن المسيء بحجة الحرية، في الوقت الذي تقمع فيه هذه الحرية بكل قوة عندما يطال كاتب ما يسمى ب(المحرمات الإسرائيلية).