الآن وبعد ان خفت حدة الاحتجاجات الإسلامية على الرسوم المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لابد من استخلاص العبر والدروس حتى لا تتكرر مرة أخرى، ولابد من دراسة النتائج التي أدت إليها هذه الحملة الغربية.

وأيضا الحملة الإسلامية المضادة لها، لأن هناك من يرى أنها تدشين لصدام الحضارات الذي تنبأ به صامويل هنتنغتون، وهو ما يعني وفقا لهذه النبوءة ان الصدام حول الرموز والثقافة بين الحضارتين الإسلامية من جهة، واليهودية المسيحية من الجهة الأخرى، سيكون مستديما ومتكررا.

وهذا الصراع مستمد من عمق الحضارتين بما يعني انه لا يمكن وقفه استنادا إلى تشريع دولي أو قوانين وطنية لأنه سوف يفتح الباب أمام صراعات داخل المجتمعات الغربية ذاتها وسوف تصطدم هذه التشريعات بقيم المجتمعات ذاتها وبالتالي فإن حكومات الدول الغربية لن تتورط في سنها من اجل استرضاء الدول الإسلامية أو زعاماتها الوطنية.

وأولى الدروس المستخلصة من هذه المعركة تتعلق بأنها تدشن لعصر جديد في العلاقات الدولية يلعب فيه الدين دورا محوريا بدلا من الأدوار التي كانت تلعبها عناصر أخرى اقتصادية أو بشرية.

وهذه السمة هي إحدى سمات العلاقات بين الدول في عصر ما بعد الحداثة، الذي يلعب فيه العامل الثقافي دورا مهما وأصبح التحليل الثقافي للعلاقات بين الدول واحداً من ابرز أدوات التحليل التي يلجأ إليها علماء السياسة من اجل فهم ظواهر خفية عليهم.

مثلما لعب العامل الإثني دورا في صراعات دولية أخرى مثل صراعات دول البلقان وتدخلات دول افريقية في حروب أهلية لدول أخرى انطلاقا من العامل الإثني إلى النحو الذي حدث في رواندا و في انغولا .

وفي جنوب السودان. وسوف نرى في المستقبل حروبا تنطلق من أسباب دينية أو يلعب الدين دورا في خلفياتها و في تطوراتها. ونعتقد ان هذه الخلفية كانت راسخة في ذهن هنتنغتون وهو ينظر لصراع الحضارات أو صدامه في نهاية القرن الماضي.

وطالما ان هذه الخلافات ذات المضمون الديني والثقافي سوف تصبح متكررة في الفترات المقبلة ،فلابد من استخلاص دروس من أسلوب إدارة الخلاف الاخير حول الرسوم المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، فالملاحظ ان إدارة الأزمة لعبت على الصورة الاستشراقية السائدة في العالم الغربي حول الإسلام والمسلمين، من حيث معاداة المسلمين لحرية الرأي والتعبير وان المجتمع المسلم ذو بنية بطركية يسيطر فيه علماء الدين على المجال العام.

فأغلب ردود الأفعال والتظاهرات انطلقت إما في دول ذات طبيعة ثيوقراطية أو من مؤسسات ذات طابع ديني مع انه لو قامت المنظمات المدنية الحديثة مثل جمعيات حقوق الإنسان وغيرها بدور في الخلاف لكان رد الفعل في العالم الغربي أفضل ولكانت حققت نتائج أفضل لأننا لا نستطيع القول ان الحملة المضادة التي نظمت في مواجهة الرسوم كانت ناجحة.

بل يمكن القول ان تداعيات الحملة وتطوراتها بدلا من ان تقرب بين عالمين أو تفتح أبواباً للحوار فيما بينهما، أكدت مقولة ارنست رينان الشهيرة « الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا».

وعلى الرغم من وجود قوى غربية متعددة إنسانية أو دينية كان يمكن فتح حوار معها لنقل الحوار إلى المجال العام في المجتمعات الغربية وبها أقليات إسلامية معتبرة، الا أننا ونظرا لسيطرة الحكومات لدينا على المجالات العامة على عكس الواقع الأوروبي الغربي، ركزنا في احتجاجنا أو حوارنا على الحكومات فقط .

ولم نسع إلى فتح حوار مع نقابات الصحافيين أو المجالس الخاصة بالإعلام في الدول الأوروبية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشكلة بدلا من ان يفككها ويحلها، وهو الأمر الذي يعني أننا لم نربح هذا الصراع ولم ننهه، وبالتالي فهو قابل للتكرار مرات أخرى.

وعلى الرغم من ان الكتاب العرب والمتظاهرين في الدول الإسلامية أشاروا أكثر من مرة إلى انه لايمكن ان نشكك في «الهولوكوست» في أي دولة أوروبية، لكن احداً منهم لم يحاول دراسة كيف استطاع اليهود ان يجعلوا من الهولوكوست إحدى المحرمات.

ولا نستطيع نحن ان نجعل من رسولنا الكريم وخاتم الأنبياء احد المقدسات، وهذا الأمر يتطلب دراسة التجربة اليهودية على صعيدي الخطاب والممارسة والتكتيك والاستراتيجية من اجل إبداع تجربة خاصة بنا نحافظ بها على مقدساتنا من التشويه بدلا من ان نعتمد على الحوار مع الحكومات وهي متغيرة.

ولن تجدي أي نتائج يتم التوصل إليها من خلال هذا النمط من الحوار ولن تحقق الا المزيد من التباعد بيننا وبين المجتمعات الغربية التي تختلف بنيتها جذريا عن بنية مجتمعاتنا العربية الإسلامية. وبالتالي فإن أي نتائج ايجابية مرجوة لابد وان تنطلق من طبيعة المجتمع الأوروبي وتعدديته الثقافية والاقتصادية وألا نسقط طبيعتنا نحن عليه.

فعلى الرغم من ان الحكومات العربية والإسلامية تصدرت المشهد الاحتجاجي وانتقلت به إلى القنوات الرسمية، الا ان ذلك كان لا يجب ان يجعلنا نتجاهل طبيعة المجتمع الذي نخاطبه ونتعامل مع الأزمة باعتبارها تخص الرأي العام أولاً قبل ان تخص الحكومات، وبدلا من ان نطالب بمعاقبة صحيفة.

وندفع صحفاً اخرى إلى نشر نفس الرسوم احتجاجا على هذه المطالبة، كان علينا ان نعرض كيف أدت الرسوم إلى التعريض بنا كبشر بما يجعلها قضية انتهاك حقوق للإنسان تخصنا وليست قضية حرية تعبير تخص غيرنا. والخلاصة أنه علينا الا نكتفي بما حدث ولكن علينا وضع خطط وسيناريوهات لقضايا أخرى قادمة مشابهة لما حدث.