دون قراءة السطور الخالية المنبثة بين السطور المكتوبة لن تستطيع إدراك مغزى أي حديث لوزيرة الخارجية الأميركية السيدة كوندوليزا رايس. وقراءة السطور الخالية على هذا النحو ليست عسيرة اذا استحضرت في ذهنك مفتاح «الشفرة» المتمثل في كلمة «إسرائيل».

أحدث مؤتمر صحافي للسيدة رايس كان في واشنطن، وقد كان مناسبة إعلامية ذات طابع خصوصي لأن الحضور كانوا مجموعة من صحافيين عرب.

وكان محور الحديث هو الشرق الأوسط.. ومحور المحور سوريا وإيران و«حزب الله»، ولا أخفي عليكم أني حظيت بمتعة وأنا أطالع حديث هذه السيدة الأكاديمية أصلاً والموهوبة في البلاغة، فقد كنت أركز على السطور الخالية كمن ينهمك في حل مسابقة كلمات متقاطعة.

قالت السيدة رايس ان منطقة الشرق الأوسط واقعة تحت تهديد شراكة مؤلفة من إيران وسوريا و«حزب الله» اللبناني هدفها «زعزعة المنطقة». والعبارة المحذوفة في السطر الخالي هي ان مثل هذه الشراكة تمثل تهديداً لأمن إسرائيل.

وفي جانب آخر من حديثها تقول إن لبنان هو الأكثر تهديداً بهذه الشراكة، وما لم تشأ ان تفصح عنه في هذا الصدد ـ وهو سطر خالٍ ـ هو ان المقاومة اللبنانية المسلحة المدعومة سياسياً بواسطة دمشق وعسكرياً بواسطة طهران تمثل الخطر الأعظم الذي يواجه الدولة اليهودية في المنطقة.

وعلى صلة بهذا السياق توغل السيدة رايس في التلبيس اللفظي الى درجة أنها تطلق عبارات غير مفهومة.

وعلى سبيل المثال فإنها تستطرد القول إن تحالف طهران ودمشق و«حزب الله» يهدف الى «نشر النفوذ الإيراني والمظاهر الإيرانية السيئة» ولكي تدرك على وجه الدقة معنى «المظاهر الإيرانية السيئة» فلن يكون أمامك خيار سوى التخمين، فهل المقصود بهذه المظاهر «السيئة» ان القيادة الإيرانية أصبحت تشكك في صحة «المحرقة» اليهودية على أيدي النازيين.. مثلاً؟

لوزيرة الخارجية الأميركية جولة في المنطقة تشمل عدداً من الدول العربية. وبدعوتها صحافيين عرباً الى مؤتمر صحافي أرادت رايس تمهيداً إعلامياً لجولة محورها الأساسي البرنامج النووي الإيراني.

وتأتي الجولة في أعقاب فشل الولايات المتحدة في مسعاها لفرض عقوبات دولية على إيران. فقد اعترفت السيدة رايس نفسها بأنه «سيكون من الصعب حمل مجلس الأمن الدولي على فرض عقوبات على إيران بسبب المصالح المتضاربة لبعض الدول».

والدول المقصودة هي روسيا والصين والهند. هدف الجولة بالتالي هو الاستعاضة عن فقدان الدعم الروسي والصيني والهندي لواشنطن بتحشيد عربي ـ إسلامي لإحراج الثلاثي الدولي المنحاز إلى طهران.

اذا قرأنا ما بين السطور حديث رايس. فطهران متَّهمة أميركياً بدعم «المتمردين» في العراق ـ أي المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي.. وهي متَّهمة أيضاً بدعم «الفصائل الفلسطينية الإرهابية» ـ أي فصائل المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهي متَّهمة كذلك بالسعي لتملّك سلاح نووي.. وهو اتهام اذا صح فإنه ينبغي ان يكون مصدر قلق لإسرائيل.

وشاهد القول انه مهما برع كبار المسؤولين الأميركيين في ابتكار المحسنات البلاغية فإن الدبلوماسية الأميركية تبقى رهينة المصالح الخاصة.