لا يخفى على أحد أن هناك سجالاً تاريخياً بين الشرق والغرب. وهذه المعادلة العالمية تشير إلى أن الشرق فيما مضى من الزمن البعيد كان هو أكثر فاعلية .

وانتشاراً من الغرب إلا أن الثقافة العربية والإسلامية الممثلة لهذا الشرق كانت في عصر ازدهارها قد ساعدت الغرب في نهضته وزودته بأدوات هذه النهضة دون أن تفرض عليه هيمنة الثقافة الشرقية انطلاقاً من مبادئها وقواعدها الراسخة بالاحترام المتبادل للأديان والثقافات الأخرى.

في حين أن الغرب عندما قوي عوده وامتلك زمام المبادرة مقابل ضعف الشرق وتشتته بفعل عوامل معروفة لدى الكافة بدأ يتحرك نحو الشرق لطمس هوية الإسلام وثقافته متذرعاً بحجج واهية ولاعتبارات كثيرة .

وهي أن الغرب وحده توصل إلى الفكر العقلاني أو المنطقي وفي ضوء ذلك يجب على الغرب أن يهيمن على المجتمعات الشرقية من خلال استعمار أراضي دول هذه المجتمعات بغية الوصول بها إلى الفكر العقلاني وهذه هي مرحلة من مراحل صراع الحضارات.

ولكن وفي منتصف القرن الماضي تبددت فكرة الغرب هذه بعد أن انتفضت شعوب هذه الدول وطردت المحتل منتصرين لثقافتهم وتقاليدهم. هذه المرحلة المهمة من الصراع أفرزت مواضيع عدة بعضها سلبي والآخر إيجابي.

فالغرب انقسم إلى قسمين الأول اقتنع أن فلسفة الغرب المتمثلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعولمة لم تعد قادرة على فرض نفسها كفكرة عالمية غربية تنطبق على العالم أجمع وبدأ هذا الفريق يبحث عن سبل لإيجاد مفاهيم جديدة أو فلسفة حديثة تستمد قوتها ومبادئها من ثقافات العالم أجمع فأطلقوا عليها حوار الحضارات.

والفريق الثاني الذي يمثل فلسفة غربية أخرى ويعارض الفريق الأول، هذا الفريق المتطرف للثقافة الغربية يرى أنه لا توجد مساواة بين ثقافات العالم مستندين على معيار ثراء الغرب مقابل فقر المجتمعات الشرقية.

وبالتالي أخذ أصحاب هذا الفريق يشوهون الثقافة الإسلامية ويصفون المجتمع العربي والإسلامي بأنه مجتمع عنف وفوضوية ومعاد للحداثة والحضارة، لذا يرى هذا الفريق أن محاربة الثقافة الإسلامية أمر واقع والصراع مع الحضارة الشرقية مستمر حتى يتم فرض الحضارة الغربية على الجميع.

ومن جانب الشرق وبعد هذا التدرج التاريخي في الأحداث برز منه فريقان الأول مؤمن بأن مستقبل الإنسانية على هذه الأرض أساس نجاحه هو الحوار والتقارب بين الحضارات (الثقافات المختلفة).

ويجب على كل حضارة أن تفهم الأخرى وتحترم ما جاء فيها والابتعاد عن الصراعات التي من شأنها أن تدمر الإنسانية. كما أن هذه المراحل الصعبة أفرزت فريقاً ثانياً في المجتمعات الإسلامية والتي آمنت أن هذه الهجمة الفكرية الغربية يجب التصدي لها بالقوة والعنف.

ورغم أن أصحاب هذا الفكر هم القلة إلا أن الغرب (الفريق المتطرف منهم) أخذ هذا الفكر المتطرف وعممه على كافة المجتمعات الإسلامية بل أخذته القوى الغربية المتطرفة ذريعة للتدخل العسكري كاشفة عن غطاء فكري وأيديولوجي مبيت يصب جميعه في صدام بين الحضارات.

وبالتقاء الفكرين المتطرفين من الشرق (وهم قلة) والغرب (وهم غلبة) نشهد اليوم صراع الحضارات والذي يطلق عليه حوار الحضارات ولكن في حقيقته هو صراع الجهالات لأن أساس هذا الصراع قائم بين فريقين متطرفين لا علاقة لشعوب العالم في مشارقها ومغاربها بهما بل ترفضهما رفضاً قاطعاً ؟

إن الغرب وبواسطة فكره المتطرف يحاول ومنذ القرن الماضي وحتى الآن أن يفرض ثقافته على الشرق انطلاقاً من شعار العالمية باعتباره الطرف القوي في المعادلة العالمية الحالية فيجب أن تطغى ثقافة القوي على بقية ثقافات العالم.

وأصبحت مع هذه الفكرة المتطرفة أية ثقافة تعاكس الثقافة الغربية ثقافة إرهابية فيكون من شأن هذا الفكر الغربي المتطرف قهر الحضارات الأخرى ومنها الثقافة الإسلامية، غير أن هذه الثقافة (الإسلامية) لم تنخرط في سرب الثقافة الغربية، ثم بادرت هذه القوى المتطرفة الغربية إلى تبديل أسلوب فرض ثقافتها على غيرها من منطلق الحوار وتنطوي هذه الفكرة الجديدة.

والتي ظهرت جلياً بعد منتصف القرن الماضي، على أفكار يراد من خلالها تمرير الأفكار الغربية لإجبار المجتمعات الشرقية على اعتناقها مرة بالتهديد والترهيب ومرة بالترغيب والهدف النهائي هو السيطرة على مقدرات الشعوب العربية والإسلامية من خلال محو هويتها وثقافتها.

في المقابل فإن الثقافة الإسلامية لا تحمل بأي شكل كان في طياتها أي فكر أو سوء نية باتجاه الحضارات الأخرى وعلى امتداد التاريخ وحتى يومنا هذا، بل ان الحضارة الإسلامية كان لها الفضل على بقية الحضارات عندما قدمت يد العون والمساعدة عندما كان الغرب يعيش في العهود المظلمة.

حيث كانت التجربة الحضارية الإسلامية في الأندلس لها الأثر الكبير في نقل أوروبا من ظلام العصور الوسطى إلى عصور النهضة.

كما أن الثقافة الإسلامية لها من الثوابت أن التعددية والتنوع هو أمر ثابت ـ قال الله تعالى (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف السنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) (سورة الروم الآية «22»). كما أن الثقافة الإسلامية مؤمنة بتعدد الشرائع والأديان .

ومعنى ذلك أن الإسلام بصورة عامة مؤمن بتعدد الحضارات، لذا فإن احترام كافة الحضارات هو أمر واجب بالنسبة للمسلمين وهذا ما يدحض ما تذهب إليه القلة المتطرفة من القول خلاف ذلك.

كما أن الثقافة الإسلامية تؤمن بحقيقة تعددية الأقطاب الحضارية وهذه التعددية هي التي تجعل من العالم حالة متطورة متناغمة مع السلام العالمي، ولم يسجل لنا التاريخ أن حضارة واحدة كانت تتحكم في العالم وحدها. وهذا الرد على الفريق المتطرف من الغرب والذين يريدون فرض نموذج واحد على العالم (حضارة الغرب) ليحكم العالم، والقول لهم إن ذلك مستحيل.

ثم إن حوار الحضارات ليس وليد هذا القرن أو الذي قبله، حيث انه أسلوب قديم مارسته كل الحضارات، ومن هذه الحوارات الحوار الحضاري الذي دار بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية .

حيث حوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع قساوسة نجران ورهبانهم وغيرها من كتابات إلى المقوقس والنجاشي وهرقل ثم انقطعت نتيجة الحروب وعادت قبل نصف قرن للحوار الحضاري بين الطرفين مرة أخرى.

والذي نريد الوصول إليه أن حوار الحضارات يجب أن يتم على أسس الاحترام المتبادل بين المتحاورين واحترام كل لثقافة الآخر وعدم التقليل من شأنها ورفض فكرة فرض قيم حضارة على أخرى.

وعدم المساس بخصوصيات وهويات الثقافات الأخرى والمفيد التنبه إلى أن بعض المتطرفين سلكوا الحوار لتمرير خطط ومشاريع ودسائس ضد الطرف الآخر، فقد سلك هؤلاء الدروب المظلمة من خلال استقبال شباب من العرب والمسلمين .

وفسح لهم المجال للانخراط في الغرب ومحاولة التأثير في تغيير ثقافة هؤلاء والذين عادوا إلى بلدانهم كأبواق وأدوات للتغيير والتحديث على طريقة الفكر الغربي المتطرف في محاولة لتأثير هؤلاء على مجتمعاتهم والتأثر بهم وهذه واحدة من أساليب التأثير والتأثر.

هذه الأساليب وغيرها تنقل الحوار بين الحضارات إلى نزاع بين الحضارات وان مصير هذه الحوارات سيكون الفشل، ذلك أن الشرق المتمثل بالثقافة الإسلامية يرفض وبشدة هذا النوع من الحوار الذي تم توظيفه من قبل الغرب للهيمنة على الطرف الآخر.

إذن يجب أن يكون حوار الحضارات ابتداءً وفي أول خطوة فيه هو إزالة فتيل الصراع ويجب أن ينصب على التقارب والتعاون وتبادل الآراء والأفكار لغرض تحقيق أهداف أسمى تصب في مصلحة الإنسانية جمعاء لكي يساعد على العيش بسلام وأمن وطمأنينة.

قانوني وكاتب إماراتي

rashid.shabib@binshabib.ae