من التعبيرات التي تشيع بين الناس في هذه الأيام تعبير «الرأي العام»، وهو تعبير يتصل بقياس الموقف العام من قضية أو مؤسسة أو أداء معين، وثمة وسائل متعددة لقياس الرأي العام وهناك مؤسسات متخصصة للقياس، تتخذ من الإجراءات والوسائل العلمية المنهجية والموضوعية لتحقيق مصداقيتها لدى الناس.
ولعل كثيراً من الناس يشككون في كثير من التقارير والدراسات التي تصدرها مراكز قياس الرأي العام، مع أن قياس الرأي العام في كثير من الأحداث السياسية والمحلية والدولية تثبت دقته وموضوعيته في بعض الأحيان، وهناك بعض التقارير المضللة التي تبنى على مقدمات غير موضوعية ولا منهجية.
وخاصة تلك التي لا تظهر نتائجها في وقائع ملموسة مثل الانتخابات، فيعمد معدو هذه التقارير إلى تزييف الرأي العام وجعل الكفة تميل إلى مصلحة الذي تميل إليه مؤسسة قياس الرأي العام هنا أو هناك.
مما يجعل بعض المؤسسات في بلدان كثيرة وبعضها متقدمة تفتقد المصداقية لدى كثير من المراقبين الذين يتمتعون بالخبرة والمتابعة العلمية والمهنية.
على أن الأهم في رأيي هنا الأسس التي يرتكز عليها قياس الرأي العام، وأهم هذه الأسس حصول العينات التي يشملها القياس على المعلومة الدقيقة، وعلى الخلفية التي تقف وراء هذه المعلومة، مما يجعلنا نختبر افتراضين هما حجب المعلومات عن الناس بحيث يتشكل الرأي العام من خلال إملاءات غير مباشرة.
أو عدم قدرة الأفراد على الوصول إلى المعلومات المحجوبة عنهم بوسائل مختلفة؛ ولعل هذين الأمرين كليهما واردان في استطلاعات الرأي العام، إذ إن تشكيل الرأي العام في الغالب مرتبط بالآلة الإعلامية الوطنية والدولية.
إذ تسعى كثير من الدول إلى تشكيل الرأي العام وفق ما تضخه من إعلام عبر آلتها الإعلامية في أدق التفاصيل ولا يقتصر ذلك على الجوانب السياسية والاستراتيجية وإنما يتعدى ذلك إلى الجوانب الثقافية والفكرية والفنية والروحية.
وتلجأ بعض الدول إلى حجب الرأي العام عن مصادر المعلومات المعادية أو التي تختلف عنها إيديولوجياً وثقافياً وحضارياً، فتضع عراقيل أمام التقاط بعض الموجات الإذاعية أو القنوات الفضائية، فلا تجعل المتلقي يتلقى المعلومات إلا من خلال مصادرها الإعلامية التي تقوم على خطط مدروسة.
وتشير كثير من الدراسات إلى أن كمية المعلومات التي تبثها وسائل الإعلام الغربي ولا سيما الأميركي تصل نسبته إلى ما يقرب من 95% مما تبثه وسائل الإعلام إلى المتلقين.
وإذا تأملنا الإعلام في العالم الثالث فإننا نجده في الأغلب يعتمد على ما تبثه آلة الإعلام الغربية الضخمة، وكثيراً ما كنا نرى الخبر والصورة يتشابهان في معظم المحطات التلفزيونية، إلى درجة أن طول اللقطة متشابهة في كل هذه القنوات، على أن ما تفتقر إليه الآلة الإعلامية في العالم الثالث افتقارها في الأغلب إلى مراكز المعلومات والأبحاث.
ولذلك تعتمد بشكل رئيسي على مصادر لها أهداف واضحة في صياغة المعلومات والأخبار وتسريبها بطرق ذكية تفوت على المتلقي العادي وتتجاوزه إلى ذوي التعليم الجيد.
وهو ما يؤثر تأثيراً قوياً على اتجاهات الرأي العام، ومدى مصداقيته في التعبير عن اتجاهات الأفراد المشمولين بعينة القياس، فكثير من الذين تشملهم العينة لا يصدرون في مواقفهم عن معلومات حقيقية تمكنهم من إبداء آرائهم على هدى وبصيرة وإنما بناء على معلومات ملتبسة وقد تكون مضللة ومغلوطة في آن معاً.
ويزيد الطين بلة حين يقاس الرأي العام من خلال عينة شمولية تشمل فئة يغلب عليها الجهل والأمية وتتعرض في كل تصرفاتها ومناشطها لعمليات الاستهواء والاستدراج.
أما النقطة الأخيرة التي تتصل بالرأي العام وهي المراكز والمؤسسات التي تقف وراء قياس الرأي العام، فالذين يناقشون دورها يفترضون فيها المنهجية والموضوعية والحيدة والنزاهة.
وقد تبدو كذلك أحياناً، لكن المتبع لبعض هذه المراكز يجد أنها جزء من منظومة إعلامية تتبع أطرافاً معينة توجه الرأي العام إلى مواقف أو أفكار تريد أن تتحقق عند قطاع كبير من الناس.
إن كثيراً من الناس لا يتقصون مصادر المعلومات، وإن حاولوا فليس من السهولة بمكان أن يحصلوا على هذه المعلومات فمعظم الناس يسعون للحصول على المعلومات من أيسر السبل، ولا يسعون إلى التقصي والبحث عن المصادر الأصلية التي تكون الوثائق في الأغلب .
وهذه وتلك ليست بعيدة عن التزييف والتزوير، إلا الباحثين والخبراء والمختصين الذين يشكلون دائرة ضيقة لا تتاح لها الوسائل الإعلامية الكافية للتأثير في الرأي العام، وتظل هذه المراكز تشكل الرأي العام على هواها، وتقدم النسب التي تراها تخدم أهدافها وأهداف من قد تعمل لحسابهم.
وأخلص إلى القول إن رأياً عاماً فاعلاً لابد أن يتحقق ضمن قواعد مختلفة للحوار ضمن أطر المجتمع المدني الذي يسهم في نضجه وبلورته.
ولا بد له من مناخ يتحقق فيه الوعي والخبرة والمعرفة على شتى الصعد،فكثير من حملة الشهادات تنقصهم هذه الأمور لأن مصادر المعرفة الحقيقية غائبة عنهم، ولا بد من رقابة مجتمعية حقيقية على وسائل تشكيل الرأي العام بحيث يصبح هذا الرأي موجهاً للخطط المرحلية والاستراتيجية في كل الاتجاهات والمجالات.
جامعة الإمارات